شبكه ميت عدلان ( منتدي اسلامي &ثقافي & برامج كمبيوتر وجوال & سياحه & الرأي وارأي الاخر)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 فصل في التقليد الذي حرمه الله ورسوله (للشيخ العظيم بن تيمية رحمه الله)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد إبراهيم صابر جودة
المشرفون
المشرفون
avatar

ذكر عدد الرسائل : 253
المزاج : الحمد لله
تاريخ التسجيل : 11/05/2008

مُساهمةموضوع: فصل في التقليد الذي حرمه الله ورسوله (للشيخ العظيم بن تيمية رحمه الله)   الثلاثاء مايو 27, 2008 10:25 am

/ وقال شيخ الإسلام ـ رَحِمهُ اللّه‏:‏

فَصْــل

قد ذم اللّه ـ تعالى ـ في القرآن من عَدَل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه اللّه ورسوله، وهو‏:‏ أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان؛ في سره وعلانيته، وفي جميع أحواله‏.‏

وهذا من الإيمان، قال اللّه تعالى‏:‏‏{‏فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 51‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 36‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏63‏]‏، وقال‏:‏‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏‏.‏

وقد أوجب اللّه طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعًا من القرآن، وطاعته طاعة اللّه، وهي‏:‏ عبادة اللّه وحده لا شريك له، وذلك هو دين اللّه وهو الإسلام، وكل من أمر اللّه بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج؛ فلأن طاعته طاعة للّه‏.‏ وإلا فإذا أمر بخلاف طاعة اللّه فإنه لا طاعة له، وقد يأمر الوالد والزوج بمباح فيطاع، وكذلك الأمير إذا أمر عالمًا يعلم أنه معصية للّه، والعالم إذا أفتى المستفتى بما لم يعلم المستفتى أنه مخالف لأمر اللّه، فلا يكون المطيع لهؤلاء عاصيًا، وأما إذا علم أنه مخالف لأمر اللّه فطاعته في ذلك معصية للّه؛ ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن يقلد غيره إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به الرسول، فهنا لا يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع، ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أنه يقلد‏؟‏ هذا فيه قولان‏:‏

فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لا يجوز‏.‏ وحكى عن محمد بن الحسن جوازه‏.‏ والمسألة معروفة‏.‏ وحكى بعض الناس ذلك عن أحمد،/ ولم يعرف هذا الناقل قول أحمد، كما هو مذكور في غير هذا الموضع‏.‏

وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور، وفي صفة من يجوز له التقليد تفصيل ونزاع ليس هذا موضعه‏.‏

والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع‏:‏ أن يعارض قول اللّه ورسوله بما يخالف ذلك كائنًا من كان المخالف لذلك‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 27 ـ 30‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 66 ـ 68‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 166 - 171‏]‏، فذكر براءة المتبوعين مـن أتباعهم في خـلاف طاعـة اللّه، ذكر هذا بعد قوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 163‏]‏، فالإله الواحد هو المعبود والمطاع، فمـن أطاع/متـبوعًا في خلاف ذلك فله نصيب من هذا الذم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 14، 15‏]‏‏.‏

ثم خاطب الناس بِأَكْل مافي الأرض حلالًا طيبًا، وألا يتبعوا خطوات الشيطان في خلاف ذلك، فإنه إنما يأمر بالسوء والفحشاء، وأن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون، فيقولوا‏:‏ هذا حرام وهذا حلال، أو غير ذلك مما يقولونه على اللّه في الأمور الخبرية والعملية بلا علم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 116‏]‏‏.‏

ثم إن هؤلاء الذين يقولون على اللّه بغير علم إذا قيل لهم‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 170‏]‏، فليس عندهم علم، بل عندهم اتباع سلفهم، وهو الذي اعتادوه وتربوا عليه‏.‏

ثم خاطب المؤمنين خصوصًا فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 172، 173‏]‏، فأمرهم بأكل الطيبات مما رزقهم؛ لأنهم هم المقصودون بالرزق، ولم يشترط الحل هنا / لأنه إنما حرم ما ذكر، فما سواه حلال لهم، والناس إنما أمرهم بأكل ما في الأرض حلالًا طيبًا وهو إنما أحل للمؤمنين، والكفار لم يحل لهم شيئًا، فالحـل مشروط بالإيمان، ومـن لم يستعن برزقـه على عبادتـه لم يحل لـه شيئًا، وإن كـان ـ أيضا ـ لم يحرمه، فلا يقال‏:‏ إن اللّه أحله لهم ولا حرمه، وإنما حرم على الذين هادوا ما ذكره في سورة الأنعام‏.‏

ولهذا أنكر في سورة الأنعام وغيرها على من حرم ما لم يحرمه، كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 143‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏}‏ الآيات ‏[‏الأنعام‏:‏ 151 - 153‏]‏‏.‏ وقال في سورة النحل‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ‏}‏ الآية ‏[‏النحل‏:‏ 118‏]‏، وأخبر أنه حرم ذلك ببغيهم فقال‏:‏ ‏{‏فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 160‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏‏.‏

وهذا كله يدل على أصح قولى العلماء، وهو‏:‏ أن هذا التحريم باق عليهم بعد مبعث محمد لا يزول إلا بمتابعته؛ لأنه تحريم عقوبة على ظلمهم وبغيهم، وهذا لم يزل بل زاد وتغلظ، فكانوا أحق بالعقوبة‏.‏

وأيضًا، فإن اللّه ـ تعالى ـ أخبر بهذا التحريم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ليبين أنه لم يحرم إلا هذا وهذا، فلو كان ذلك التحريم قد زال لم يستثنه‏.‏

/ وأيضًا، فإن التحريم لا يزول إلا بتحليل منه، وهو إنما أحل أكل الطيبات للمؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏93‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏4، 5‏]‏ وهذا خطاب للمؤمنين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ‏}‏، فلو كان ما أحل لنا حِلًا لهم لم يحتج إلى هذا، وقوله‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ‏}‏ لا يدخل فيه ما حرم عليهم، كما أن قوله‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ‏}‏ لا يدخل فيه ما حرم علينا مما يستحلونه هم؛ كصيد الحرم وما أهل به لغير اللّه‏.‏

وهل يدخل في طعامهم الذي أحل لنا ما حرم عليهم ولم يحرم علينا، مثل ما إذا ذكوا الإبل‏؟‏ هذا فيه نزاع معروف، فالمشهور من مذهب مالك ـ وهو أحد القولين في مذهب أحمد ـ تحريمه‏.‏ ومذهب أبي حنيفة والشافعي والقول الآخر في مذهب أحمد‏:‏ حله‏.‏

وهل العلة أنهم لم يقصدوا ذكاته، أو العلة أنه ليس من طعامهم‏؟‏ فيه نزاع‏.‏

/ وإذا ذبحوا للمسلم، فهل هو كما إذا ذبحوا لأنفسهم‏؟‏ فيه نزاع‏.‏

وفي جواز ذبحهم النسك إذا كانوا ممن يحل ذبحهم قولان، هما روايتان عن أحمد، فالمنع مذهب مالك، والجواز مذهب أبي حنيفة والشافعي، فإذا كان الذابح يهوديًا صار في الذبح علتان، وليس هذا موضع هذه المسائل‏.‏

ثم إنه ـ سبحانه ـ لما ذكر حال من يقول على اللّه بلا علم، بل تقليدًا لسلفه ذكر حال من يكتم ما أنزل اللّه من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 174‏]‏، فهذا حال من كتم علم الرسول، وذاك حال من عدل عنها إلى خلافها، والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قَلَّد أحدًا من الأولين والآخرين فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول، سواء كان صاحبا أو تابعًا أو أحد الفقهاء المشهورين الأربعة، أو غيرهم‏.‏

وأما من ظن أن الذين قلدهم موافقون للرسول فيما قالوه، فإن كان قد سلك في ذلك طريقًا علميًا فهو مجتهد له حكم أمثاله، وإن كان متكلمًا بلا علم فهو من المذمومين‏.‏

/ ومن ادعى إجماعًا يخالف نص الرسول من غير نص يكون موافقًا لما يدعيه، واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم، وأن الإجماع ينسخ النص كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي، فهذا من جنس هؤلاء‏.‏

وأما إن كان يعتقد أن الإجماع يدل على نص لم يبلغنا يكون ناسخًا للأول‏.‏ فهذا وإن كان لم يقل قولًا سديدًا، فهو مجتهد في ذلك، يبين له فساد ما قاله، كمن عارض حديثًا صحيحًا بحديث ضعيف اعتقد صحته، فإن قوله، وإن لم يكن حقًا، لكن يبين له ضعفه، وذلك بأن يبين له عدم الإجماع المخالف للنص، أو يبين له أنه لم تجتمع الأمة على مخالفة نص إلا ومعها نص معلوم يعلمون أنه الناسخ للأول، فدعوى تعارض النص والإجماع باطلة، ويبين له أن مثل هذا لا يجوز؛ فإن النصوص معلومة محفوظة، والأمة مأمورة بتتبعها واتباعها، وأما ثبوت الإجماع على خلافها بغير نص، فهذا لا يمكن العلم بأن كل واحد من علماء المسلمين خالف ذلك النص‏.‏

والإجماع نوعان‏:‏

قطعى‏:‏ فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعى على خلاف النص‏.‏

وأما الظنى‏:‏ فهو الإجماع الإقرارى والاستقرائى؛ بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع ـ وإن جاز الاحتجاج به ـ /فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به؛ لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف، وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعى‏.‏ وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية، والظنى لا يدفع به النص المعلوم، لكن يحتج به ويقدم على ما هو دونه بالظن، ويقدم عليه الظن الذي هو أقوى منه، فمتى كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه بثبوت الإجماع قدم دلالة النص، ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا، والمصيب في نفس الأمر واحد‏.‏

وإن كان قد نقل له في المسألة فروع ولم يتعين صحته، فهذا يوجب له ألا يظن الإجماع إن لم يظن بطلان ذلك النقل، وإلا فمتى جوز أن يكون ناقل النزاع صادقًا، وجوز أن يكون كاذبًا يبقى شاكا في ثبوت الإجماع، ومع الشك لا يكون معه علم ولا ظن بالإجماع، ولا تدفع الأدلة الشرعية بهذا المشتبه، مع أن هذا لا يكون، فلا يكون ـ قط ـ إجماع يجب اتباعه مع معارضته لنص آخر لا مخالف له، ولا يكون ـ قط ـ نص يجب اتباعه وليس في الأمة قائل به، بل قد يخفي القائل به على كثير من الناس‏.‏ قال الترمذى‏:‏ كل حديث في كتأبي قد عمل به بعض أهل العلم إلا حديثين‏:‏ حديث الجمع، وقتل الشارب‏.‏ ومع هذا فكلا الحديثين قد عمل به طائفة، وحديث الجمع قد عمل به أحمد وغيره‏.‏

/ ولكن من ثبت عنده نص ولم يعلم قائلًا به،وهو لا يدرى أجمع على نقيضه، أم لا‏؟‏ فهو بمنزلة من رأي دليلًا عارضه آخر وهو بعد لم يعلم رجحان أحدهما، فهذا يقف إلى أن يتبين له رجحان هذا أو هذا، فلا يقول قولًا بلا علم، ولا يتبع نصا مع‏.‏‏.‏‏.‏ ظن نسخه وعدم نسخه عنده سواء، لما عارضه عنده من نص آخر أو ظن إجماع، ولا عامًا ظن تخصيصه وعدم تخصيصه عنده سواء، فلابد أن يكون الدليل سالمًا عن المعارض المقاوم فيغلب على ظنه نفي المعارض المقاوم وإلا وقف‏.‏

وأيضًا، فمن ظن أن مثل هذا الإجماع يحتج به في خلاف النص إن لم يترجح عنده ثبوت الإجماع، أو يكون معه نص آخر ينسخ الأول وما يظنه من الإجماع معه‏.‏ وأكثر مسائل أهل المدينة التي يحتجون فيها بالعمل يكون معهم فيها نص، فالنص الذي معه العمل مقدم على الآخر، وهذا هو الصحيح في مذهب أحمد وغيره، كتقديم حديث عثمان‏:‏ ‏[‏لا ينكح المحرم‏]‏ على حديث ابن عباس، وأمثال ذلك‏.‏

وأما رد النص بمجرد العمل فهذا باطل عند جماهير العلماء، وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع‏:‏ هل يكفر‏؟‏ على قولين‏.‏

/ والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به‏.‏ وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره‏.‏

وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة‏.‏

وتنازعوا في الإجماع‏:‏ هل هو حجة قطعية أو ظنية‏؟‏ والتحقيق أن قطعيه قطعى وظنيه ظنى‏.‏ واللّه أعلم‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.islamway.com
 
فصل في التقليد الذي حرمه الله ورسوله (للشيخ العظيم بن تيمية رحمه الله)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه ميت عدلان  :: الفئه :: المنتدي الاسلامي :: منتدي الفقه والعقيدة-
انتقل الى: