شبكه ميت عدلان ( منتدي اسلامي &ثقافي & برامج كمبيوتر وجوال & سياحه & الرأي وارأي الاخر)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 تابع سلسله الجواب الكافي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:51 pm

ذم الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على شر ولا خير بل إذا مسه الخير منع وبخل وإذا مسه الشر جزع إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لاعمالهم مطلع عليها يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن الحوادث مبدأها من النظر كما أن معظم النار مبدأها من مستصفر الشرر ثم تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة ثم خطيئة ولهذا قيل من حفظ هذه الاربعة أحرز دينه اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات فينبغى للعبد أن يكون





بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة ويلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ويتبر ما علوا تتبيرا فصل

وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة فنذكر فى كل واحد منها فصلا يليق به فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك وقد قال النبي ياعلى لاتتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية وفى المسند عنه النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن إمرأة أو أمرد لله أورث فى قلبه حلاوة العابدة إلى يوم القيامة هذا معنى الحديث وقال غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وقال إياكم والجلوس على الطريق قالوا يا رسول الله مجالسنا مالنا بد منها قال فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والنظر أصل عامة الحوادث التى تصيب الانسان ان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصبر عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفى هذا قيل الصبر على غض البصر أيسر من الصبر علي ألم ما بعده ولهذا قال الشاعر

كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت فى قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر

والعبد ما دام ذا طرف يقلبه ... فى أعين العين موقوف علي الخطر

يسر مقلته ماضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ومن آفاته أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه قال الشاعر

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لاكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر

وهذا البيت يحتاج إلي شرح ومراده أنك تري ما لا تصبر عن شيء منه لا تقدر عليه فان قوله لا كمله أنت قادر عليه نفى لقدرته على الكل الذى لا ينتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد وكم من مرسل لحظاته فمن أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلا كما قيل

يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا





ولى من أبيات

مل السلامة فاغتدت لحظاته ... وقفا علي طلل يظن جميلا

ما زال يتبع أثره لحظاته ... حتي تشحط بينهن قتيلا ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل الى المنظور إليه حتي يتبوء مكانا من قلب الناظر ولى من قصيدة

ياراميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب

وباعت الطرف يرتاد الشفاء له ... أحبس رسولك لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح علي جرح ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعا تكرارها ولى أيضا فى هذا المعنى

مازلت تتبع نظرة في نظرة فى نظرة ... في أثر كل مليحة ومليح

وتظن ذاك دواء جرحك وهو في ال ... تحقيق تجريح علي تجريح

فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل إن جنس اللحظات أيسر من دوام الحسرات فصل

وأما الخطوات فشأنها أصعب فأنها مبدأ الخير والشر ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم فمن راعي خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مني باطلة كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأحسن الناس همة وأوضعهم نفسا من رضى من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتحلى بها وهى لعمر الله رؤس من أموال المفلسين ومتاجر الباطلين وهى قوة النفس الفارغة التى قد قنعت من الوصل بزورة الخيال ومن الحقائق بكواذب الآمال كما قال الشاعر

أماني من سعد رواء علي الظما ... سقننا بها سعدا علي ظماء بردا

مني إن تكن حقا تكن أحسن المني ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا وهي أضر شىء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط والاضاعة والحسرة والندامة والمتمني لما فاته مباشرة الحقيقة يحسبه تحت صورتها فى قلبه وعانقها وضمها إليه فقنع بوصال صورة وهمية خالية صورها فكره وذلك لا يجدي عليه شيئا وإنما مثله مثل





الجائع والظمآن يصور فى وهمه صورة الطعام والشراب وهو يأكل ويشرب والسكون به إلى ذلك واستجلابه يدل علي خساسة النفس ووضاعتها وإنما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن تنفى عنها كل خطرة لا حقيقة لها ولا ترضى أن يخطرها بباله ويأنف لنفسه منها ثم الخطرت بعد أقسام تدور على أربعة أصول خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه وخطرات يستدفع بها مضار دنياه وخطرات يسجلب بها مصالح آخرته وخطرات يستدفع بها مضار آخرته فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه فى هذه الاقسام الأربعة فإذا انحصرت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالاهم الذي يحشى فوته وأخر الذي ليس باهم ولا يخاف فوته بقى قسمان آخران أحدهما مهم لا يفوت والثاني غير مهم ولكنه يفوت ففي كل منهما يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فيه فإن قدم الأهم خشى فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فإنه الاشتغال به عن المهم وذلك بأن يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلا بتفويت الآخر فهو موضع إستعمال العقل والفقه والمعرفة ومن ههنا ارتفع من ارتفع وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت علي المهم الذي يفوت ولا تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن مستقل ومستكثر والتحيكم فى هذا الباب للقاعدة الكبرى التى يكون عليها مدار الشرع والقدر وإليها يرجح الخلق والأمر وهى إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هى دونها والدخول فى أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منهما فتفوت مصلحة لتحصل ما هو وأكبر منهما ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها فخطرات العاقل وفكسره لا يتجاوز ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع الأول الفكرة فى آياته المنزلة وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى إلا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة قال بعض السلف أنزل القرآن ليعمل به فأتخذوا تلاوته عملا الثاني الفكرة فى آياته المشهودة والأعتبار بها والأستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته واحسانه وبره وجوده وقد حث الله سبحانه عباده علي التفكر فى آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك الثالث الفكرة فى الآية وإحسانه وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة مغفرته ورحمته وحلمه وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه ودوام الفكرة فى ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة تامة الرابع الفكرة فى عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهذا باب





كل خير وتأثيرها فى كسر النفس الامارة بالسوء وحتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها فحى القلب ودارت كلمته فى مملكته وبث أمراءه وجنوده فى مصالحه الخامس الفكرة فى واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا قال الشافعي رضى الله عنه صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك وذكر الكلمة الآخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا اشتغلتك بالباطل فوقت الإنسان هو عمره فى الحقيقة وهو مادة حيا الأبدية فى النعيم المقيم ومادة المعيشة الضنك فى العذاب الأليم وهو يمر أسرع من مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته فى الغفلة والشهوة والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة فموت هذا خيرا له من حياته وإذا كان العبد وهو فى الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فأما وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة خواطر المصابين فى عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق

إن كان منزلتي فى الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامى

أمنية ظفرت نفسى بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام وأعلم أن ورود الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق فإن لم تستدعه وتتركه مرو انصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره وهو أخف شىء على النفس الفارغة بالباطلة وأثقل شىء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة وقد ركب الله سبحانه فى الإنسان نفسين نفسا أمارة ونفسا مطمئنة وهما متعاديتان فكلما خف علي هذه ثقل علي هذه وكلما التذت به هذه تألمت به الاخري فليس علي النفس الامارة أشق من العمل لله وايثار رضاه على هواها وليس لها أنفع منه وكذا ليس علي النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وأجابة داعي الهوي وليس عليها شيء أضر منه والملك مع هذه عن يمين القلب والشيطان مع تلك عن ميسرة القلب والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن تستوفى أجلها من الدنيا والباطل كله يتخير مع الشيطان والإمارة والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة والحرب دول وسجل والنصر مع الصبر ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العافية في الدنيا والآخرة وقد حكم الله تعالى حكما لا يبدل أبدا أن





العاقبة للتقوي والعاقبة للمتقين فالقلب لوح فارغ والخواطر نقوش تنقش فيه فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخدع وأماني باطلة وسراب لا حقيقة له فأي حكمة وعلم وهدي ينتقش مع هذه النقوش وإذا أراد أن ينتقش ذلك فى لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع فى محل مشغول بكتابة مالا منفعة فيه فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة فإنها لا تستقر إلا فى محل فارغ كما قيل

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:52 pm

أتانى هواها قبل أن أعرف الهوي ... فصادف قلبا خايلا فتمكنا ولهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن لا يمكنوا خاطر يدخل قلوبهم حتى تصبر القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلاء حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شىء فيها فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل فى قوالب وهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التى هى مادة العلم والهدي وإذا خلى القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فشغله بما يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية فكيف بالعلوية فشغله بارادة التجريد والفراغ من الإرادة التى لإصلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هى المستولية علي قلبه وهى إرادة مراد الله الديني الامري الذى يحبه ويرضاه وشغل القلب واهتمامه بمعرفته علي التفصيل به والقيام به وتنفيذه فى الخلق والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول فى الخلق لتنفيذه فيرطلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطليه من باب الزهد فى خواطر الدنيا وأسبابها وأوهمهم أن كمالهم فى ذلك التجريد والفراغ وهيهات هيهات إنما الكمال فى اجلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات والفكر فى تحصيل مراضى الرب تعالي من العبد ومن الناس والفكر فى طرق ذلك التوصل إليه فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكر وإرادات لذلك كما إن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه وأين كانت والله المستعان وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه الخواطر فى مرضات الرب تعالى فربما استعملها فى صلاته فكان يجهز جيشه وهو فى صلاته فيكون قد جمع بين الصلاة والجهاد وهذا من باب تداخل العبادات فى العبادة الواحدة وهو من باب عزيز شريف لا يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة بحيث يدخل فى عبادة يظفر فيها بعبادات شتي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فصل

وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظه ضائعة بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة





فى دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر هل فيها ربح أو فائدة أم لا فان لم يكن فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح نظر هل تفوته بها كلمة هي زربح منها فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل على ما في القلوب فأستدل عليه بحركة اللسان فأنه يطلعك على ما في القلب مصاحبه أم أبى قال يحيى بن معاذ القلب كالقدور تغلى بما فيها وألسنتها مغارفها فانظر الرجل حين يتكلم فرن لسانه يغترف لك به مما فى قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه أغتراف لسانه أي كما تطعم بلسانك فتذوق مافي قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك وفى حديث أنس المرفوع لا يسقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولايستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وسئل النبي عن أكثر ما يدخل النار وفقال الفم والفرج وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقد سأل معاذ النبي عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال آلا أخبركم بملاك ذلك كله قال بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا فقال وإنا لمواخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على وجوهم أو على مناخرهم الاحصائد ألسنتهم قال الترمذي حديث حسن صحيح ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والإحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغيرذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بال يزال بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه ثغري فى أعراضه الأحياء والأموات ولا يبالى مايقول وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث حندت بن عبد الله قال قال رسول الله قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عزوجل من ذا الذي يتالى على إني لا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله وفى حديث أبي هريرة نحو ذلك ثم قال أبو هريرة تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها فى نار جهنم وعند مسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين مافيها يهوي بها فى النار أبعد مما بين المغرب والمشرق وعند الترمذي عن النبى من حديث بلال بن الحارث المزنى أن أحدكم





ليتكلم بالكلمة من رضوان الله مايظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله مايظن أن تبلغ مابلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه فكان علقمة يقول كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث وفى جامع الترمذي أيضا من حديث أنس قال توفى رجل من الصحابة فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله أو لاتدري لعله تكلم فيما لايعنيه أو بخل بمالا ينقصه قال حديث حسن وفى لفظ أن غلاما ما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيئا لك يا بني الجنة فقال رسول الله وما يردرك لعله كان يتكلم فيما لا الايعنيه ويمنع مالا يضروه في الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي لفظ لمسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فرذا شهد أمر فليتكلم بخير أو ليسكت وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا والحديث صحيح وعن أم حبيبة زوج النبي عن النبي قال كل كلام ابن آدم عليه لاله إلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله عز وجل قال الترمذي حديث حسن وفى حديث آخر إذا أصبح العبد فإن الاعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا وإن أعوججت أوعوججنا وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه فى قوله يوم حار ويوم بارد ولقد روى بعض الاكابر من أهل العلم فى النوم بعد موته فسئل عن حاله فقال أنا موقوف على كلمة قلتها قلت ما احوج النالس إلى غيث فقيل لى وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي وقال بعض الصحابة لخادمه يوما هات لى السفرة نعبث بها ثم قال استغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام أو كما قال والسير حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على العبد وأختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين أظهرهما الأول وقال بعض السلف كل كلام بن آدم عليه لاله إلا ما كان من ذكر الله وما والاه وكان الصديق رضى الله عنه يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أسيره والله عند لسان كل قائل وما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد وفى اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من احدهما لم يخلص من الآخرة آفة الكلام وآفة السكوت وقد





يكون كل منهما أعظم إثما من الاخري في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف علي نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف فى كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه فى الآخرة فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره فى آخرته وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز وجل وما اتصل به

فصل وأما الخطوات فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجوا ثوابه عند

الله تعالى فإن لم يكن فى خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة يتقرب بها وينويها لله فيقع خطاه قربة وتنقلب عادته عبادة ومباحاته طاعات ولما كانت العثرة عثرتين عثرة الرجل وعثرة اللسان جاءت إحدهما قرينة الآخرى فى قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فوصفهم بالاستقامة فى لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطرات فى قوله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور

فصل وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج وقد

قال أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج وفى الصحيحين عنه لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وهذا الحديث فى اقتران الزنا بالكفر وقتل النفس نظير الآية التى فى الفرقان ونظير حديث ابن مسعود دبدا رسول الله بالأكثر وقوعا ثم بالذى يليه فالزنا أكثر وقوعا من قتل النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة نعوذ بالله منها وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر منه مفسدة ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رؤسهم بين الناس وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل وإن حملته الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم ورآهم وخلابهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلاط الأنساب أيضا وإفساد





المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور فى البرزخ والنار فى الآخرة فكم فى الزنا من استحلال محرمات وفوات حقوق ووقوع مظالم ومن خاصيته أنه ! ! الفقر ويقصد ! ويكسر صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس ومن خاصيته أيضا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن إمرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت وقال سعيد بن عبادة رضي الله عنه لو رأيت رجلا مع إمرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله فقال تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن متفق عليه وفى الصحيحين أيضا عنه إن الله يغار وإن المؤمن يغار غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه وفى الصحيحين عنه لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثني على نفسه وفى الصحيحين فى خطبته فى صلاة الكسوف أنه قال يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه فقال اللهم هل بلغت وفى ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور الزنا من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما فى الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال لاحدثكم حديثا لايحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي يقول من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين إمرأة القيم الواحد وقد جرت سنة الله سبحانه فى خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلابد أن يؤثر غضبه فى الأرض عقوبة قال عبد الله بن مسعود ما ظهر الربا والزنا فى قرية الا أذن الله باهلاكها ورأي بعض أحبار بنى إسرائيل إبنا له يغامز إمراءة فقال مهلا يابني فصرع الأب عن سريره فأنقطع نخاعه وأسقطت إمرأته وقيل له هكذا غضبك لى لا يكون فى جنسك خير ابدا وخص سبحانه حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص أحدها القتل فيه بأشنع القتلات وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة فى دينه بحيث تمتعهم من إقامة

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:53 pm

الحد عليهم فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم منكم بهم ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره وهذا وإن كان عاما فى سائر الحدود ولكن ذكر فى حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون فى قلوبهم من الغلطة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم ! من ارباب الجرائم والوقائع والواقع مما بعد ذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقرية وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليها ولا يستنكر هذا الأمر فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام ولقد حكى لنا من ذلك شىء كثيرا كثرة عن ناقصي العقول والأديان كالخدم والنساء وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانين فلا يقع فيه من العدوان والظلم والإغتصاب ما تنفر النفوس منه وفيها شهوة غالبة له فتصور ذلك لنفسها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقا لربه سبحانه فى أمره ورحمته الثالث أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون فى خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ فى مصلحة الحد وحكمة الزجر وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة وذلك لاشتراك الزنا واللواط فى الفحش وفى كل منهما فساد يناقض حكمة الله فى خلقه وأمره فإن فى اللواط المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتي فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا ويذهب خيره كله وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه وتعمل فى قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم فى البدن وقد أختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به على قولين سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور منها أن النبي قال لا يدخل الجنة ولد زنا فإذا كان هذا حال ولد الزنا مع أنه لا ذنب له فى ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير أن لا يجيء منه خيرا أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام قالوا والمفعول به شر من ولد الزنا وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن لا يوفق ليخر وأن يحال بينه وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله ما يفسده





عقوبة له وقل أن ترى من كان كذلك فى صغره إلا وهو فى كبره شر مما كان ولا يوفق لعمل صالح ولا لعلم نافع ولا توبة نصوحا والتحقيق فى هذه المسألة أن يقال إن تاب المبتلى بهذا البلاء وأتاب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا وكان فى كبره خيرا منه فى صغره وبدل سيئآته بحسنات وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله فى معاملته فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة فإن الله يغفر الذنوب جميعا وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله وقتل أنبيائه وأوليائه والسحرا والكفر وغير ذلك فلا تقصر عن محو هذا الذنب وقد استقرت حكمة الله به عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبدل سيئاته حسنات وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب وقد قال تعالى قل يا عبادى الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد ولكن هذا فى حق التائبين خاصة وأما مفعول به كان فى كبره شرا مما كان في صغره لم يوفق لتوبة نصوحا ولا لعمل صالح ولا استدرك ما فات ولا أحيى ما مات ولا بدل السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل الجنة عقوبة له على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى وتتضاعف عقوبة السيئآت بعضها ببعض كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى فتضاعف الحسنات وإذا نظرت إلي حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمال السيئة قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي رحمه الله وأعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها والإعراض عن الأخرى والإقدام والجرأة علي معاصي الله عز وجل وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه وسبي عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجعت فيه موعظة فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له المراد ولا علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد قال ويروي أن بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له قل لا إله إلا الله فقال الناصر مولاي فأعاد عليه القول فقال مثل ذلك أصابته غشية فلما أفاق قال الناصر مولاي وكان هذا دأبة كلما له قيل لا إله إلا الله قال الناصر مولاي ثم قال لإبنه يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم مات على ذلك قال عبد الحق رحمه الله وقيل لآخر ممن أعرفه قل لا إله إلا الله فجعل يقول الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان





الفلاني افعلوا فيه كذا وقال وفيما أذن أبو طاهر السلعي أن أحدث به عنه أن رجلا نزل به الموت فقيل له قل لا إله إلا الله فجعل يقول بالفارسية ده يازده تفسيره عشر بإحدى عشر وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يقول أين الطريق إلى حمام منجاب قال وهذا الكلام له قصة وذلك أن رجلا كان واقفا بازاء داره وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت أين الطريق إلى حمام منجاب فقال هذا حمام منجاب فدخلت الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها فى داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشر والفرح بإحتماعها معه وقالت خدعة منها له وتحيلا لتتخلص مما أوقعها فيه وخوفا من فعل الفاحشة يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقربه عيوننا فقال لها الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج وتركها فى الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم تخنه فى شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي فى الطرق والأزقة ويقول

يارب قائلة يوما وقد تعبت ... أين الطريق إلي حمام منجاب فبينا يقول ذلك وإذا بجاريته أجابته من طاق قرنان

هل لا جعلت سريعا إذ ظفرت بها ... حرزا على الدار أو قفلا على الباب

فازداد هيمانه واشتد هيجانه ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا قال ويرى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال أنه وصل معى إلى بعض الطريق ورجع فرغبت إليه وكلمته فقال أنه ذكرني وبرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع ألهتم فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس ذلك أسقط فى يده وعاد إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول فى تلك الحال

أسلم ياراحة العليل ... ويا شفاء المدنف النحيل

رضاك أشهى إلي فؤادى ... من رحمة الخالق الجليل

فقلت له يافلان اتق الله قال قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له أكل هذا خوفا من الذنوب فأخذ تنبة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه وإنما أبكى خوفا من الخاتمة وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه





ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى وقد ذكر الإمام أحمد عن أبى الدرداء أنه لما اختصر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة الحسني قال وأعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن فساد فى العقيدة أو اصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتي نزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله قال ويروي أنه كان بمصر رجل يلزم المسجد للأذان والصلات فيه وعليه بهاء الطاعة ونور العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة دارا لنصراني فاطلع فيها فرأي إبنة صاحب الدار فافتتن بها فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها فقالت له ما شأنك وما تريد قال اريدك قالت لماذا قال قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي قالت لا أجيبك إلى رية أبدا قال أتزوجك قالت أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك قال اتنصر قالت إن فعلت أفعل فتنصر الرجل ليتزوجها وأقام معهم فى الدار فلما كان فى آثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان فى الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه فصل

ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبتة فى الدنيا والآخرة من اعظم العقوبات وقد أختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا أو الزنا أغلظ عقوبة منه أو عقوبتهما سواء على ثلاثة أقوال فذهب أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن زيد وعبد الله بن معمر والزهرى وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحق بن راهويه والإمام أحمد فى أصح الروايتين عنه والشافعي فى أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى وقتادة والأوزاعى والشافعي فى ظاهر مذهبه والإمام أحمد فى الرواية الثانية عنه وأبو يوسف ومحمد إلى عقوبته وعقوبة الزانى سواء وذهب الحاكم والإمام أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزانى وهى التعزير قالوا لأنه معصية من المعاصى لم يقدر الله ولا رسوله فيه حدا مقدرا فكان



فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا ولأنه وطؤ في محل لا تشتهيه الطبائع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطىء الحمار وغيره قالو ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص من الدلالة على حد الزانيين قالوا ولانا رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفى بذلك الوازع عن الحد واذا كان في الطبائع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطبائع لها ولهذا جعل الحد في الزنا والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا وطرد هذا لاحد في وطيء البهيمة ولا الميتة وقد جبل الله تعالى الطبائع على النفرة من وطيء الرجل الرجل أشد نفرة كم جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلاف الزنا فان الداعى فيه من الجانبين قالوا ولأن أحد النوعين اذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالاخرى قال أصحاب القول الأول وهم جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة ليس في المعاصى مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهى تلى مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما سنبينه ان شاء الله تعالى قالوا ولم يبتلي الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم وجمع عليهم أنواعا من العقوبات من الاهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكل بهم نكالا لم ينكله بامة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التى تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة الى أقطار السموات والأرض اذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض الى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:53 pm

وطئه فانه اذا وطأه الرجل قتله قتلا لا ترجي الحياة معه بخلاف قتله فانه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته قالوا والدليل على هذ أن الله سبحانه جعل حد القاتل الى خيره الولي إن شاء قتل وإن شاء عفى وحتم قتل اللوطي حدا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ودلت عليه سنة رسول الله الصريحة التي لا معارض لها بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب الى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم فكان على بن أبي طالب أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذ الا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر الى خالد فحرقه وقال عبد الله بن عباس ان ينظر أعلا ما في القرية





فيرمى اللوطى منها منكسا ثم يتبع بالحجارة وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط وابن عباس هو الذى روى عن النبي من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره واحتج الامام أحمد بهذا الحديث واسناده على شرط البخارى قالوا وثبت عنه أنه قال لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط ولم تجىء عنه لعنة الزانى ثلاث مرات في حديث واحد وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة وكرر لعن اللوطية فاكده ثلاث مرات وأطبق أصحاب رسول الله على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن بعض الناس ذلك اختلاف منهم فى قتله فحكاها مسألة نزاع بين الصحابه وهي بينهم مسألة النزاع قالوا ومن تأمل قوله سبحانه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وقوله فى اللواط أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين تبين له تفاوت ما بينهما فانه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا أي هو فاحشة من الفواحش وعرفها في اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد أي تأتون الخصلة التى استقر فحشها عند كل أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم الى غيرها وهذا نظير قول فرعون لموسى وفعلت فعلتك التي فعلت أى الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد ثم أكد سبحانه شأن فحشها بانها لم يعملها احد من العالمين قبلهم فقال ما سبقكم بها من احد من العالمين ثم زاد فى التأكيد بان صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبوا عنها الاسماع وتنفر منه أشد النفور وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثي فقال أئنكم لتأتون الرجال ثم نبه على استغنائهم عن ذلك وان الحامل لهم عليه ليس الا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لاجلها مال الذكر الى الانثي من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسي المرأه لها أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذى هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء للوطر وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق الى الله من جماعهن كالانبياء والاولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي الانبياء بامته الى غير ذلك من مصالح النكاح والمفسدة التى في اللواط لقاوم ذلك كله وربي عليه بما لا يمكن حصره وفساده ولا يعلم تفصيله الا الله عز وجل ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا الامر وعكسوا الفطرة والطبيعة فاتوا الرجال شهوة من





دون النساء ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وكذلك قلبوهم ونكسوا في العذاب على رؤسهم ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان حكم عليهم بالاسراف وهو مجاوزة الحد فقال بل أنتم قوم مسرفون فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنا وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال رب انصرني على القوم المفسدين وسماهم ظالمين في قول الملائكة لابراهيم عليه السلام إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه الذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقد أخبروه باهلاكهم فقيل له يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاؤا نبيهم لوطا لما سمعوا بانه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا فأقبل اللوطية اليهم يهرعون فلما رآهم قال لهم يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ففدا أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وعلى أضيافه من العار الشديد فقال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فنفث نبي الله نفثه مصدور وخرجت من قلب مكروب عميد فقال لو أن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد فكشف له رسل الله عن حقيقة الحال وأعلموه إنه ممن ليس يوصل اليهم ولا اليه بسببهم فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهون عليك فقالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك ومبشروه بما جاؤا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فاستبطأ نبي الله عليه السلام موعو هلاكهم وقال أريد أعجل من هذا فقالت الملائكة أليس الصبح بقريب فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه الا ما بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بان يقلبها عليهم كما أخبر به فى محكم التنزيل فقال عز من قائل فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالا وسلفا لمن شاركهم فى أعمالهم من المجرمين وجعل ديارهم بطريق السالكين إن في ذلك لايات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين





أخذهم على غرة وهم نائمون وجاءهم بماسه وهم فى سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون تقلبت علي تلك اللذات آلاما فأصبحوا بها يعذبون

مآرب كانت في الحياة لأهلها ... عذبا فصارت فى الممات عذابا

ذهبت اللذا وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات تمتعوا قليلا وعذبوا طويلا رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فاستقاموا منها إلا فى ديار المعذبين وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم فى منازل الهالكين فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رأيت الاعلى والاسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين اطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون ذوقوا ما كنتم تكسبون إصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الامة وبين إخوانهم فى العمل فقال مخوفا لهم بأعظم الوعيد وما هي من الظالمين ببعيد

فيا ناكح الذكرى ان تهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لكم أجرا

كلوا واشربوا وازنو ولوطوا واكثروا ... فان لكم زفا الى ناره الكبرى

فاخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا الينا عجلوا لكم البشرى

وها نحن أسلاف لكم فى انتظاركم ... سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى

ولا تحسبوا أن الذين نكحتموا ... يغيبون عنكم بل ترونهم جمرى

ويلعن كلا منهم لخليله ... ويشقى به المحزون في الكرة الاخرى

يعذب كل منهم بشريكه ... كما اشتركا في لذة توجب الوزرى فصل في الاجوبة عما إحتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنا اما قولهم إنها معصية لم يجعل الله فيه احدا معينا فجوابه من وجوه أحدها إن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما وما شرعه رسوله فانما بشرعه عن الله فان أردتم ان حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل وإن أردتم إنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك إنتفاء حكمه لثبوته بالسنة الثاني إن هذا ينتقض عليكم بالرجم فانه إنما ثبت بالسنة فان قلتم بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقى حكمه قلنا فننتقض عليكم بحد شارب





الخمر الثالث أن نفى دليل معين لا يلزم نفى مطلق الدليل ولا نفى المدلول فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير مشتق وأما قولكم أنه وطء لا تشتهيه الطباع بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة فجوابه من وجوه أحدها أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله وإجماع الصحابة كما تقدم بيانه الثاني أن قياس وطء الامرد الجميل الذي تربي فتنته على كل فتنة على وطء أتان أو إمرأة ميتة من أفسد القياس وهل تعدل ذلك أحد قط باتان أو بقرة أو ميتة أو يسيء ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه أو استولى على فكره ونفسه فليس في القياس أفسد من هذ الثالث أن هذا منتقض بوطء الام والبنت والاخت فان النفرة الطبيعية عنه كاملة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وهذه إحدي الروايتين عن الامام أحمد وهو قول إسحاق بن رهويه وجماعة من أهل الحديث وقد روى ابو داود من حديث البراء بن عازب قال لقيت عمى ومعه الراية فقلت له الى أين تريد قال بعثني رسول الله الى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله قال الترمذي هذ حديث حسن قال الجوزجاني عم البراء اسمه الحارث بن عمرو في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال قال رسول الله من وقع على ذات محرم فاقتلوه ورفع الى الحجاج رجلا اغتصب أخته على نفسها فقال أحبسوه واسألوا من ها هنا من أصحاب رسول الله فسألوا عبد الله بن مطرف فقال سمعت رسول الله يقول من تخطي حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف وفيه دليل على القتل بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وهو أن من لا يباح وطؤه بحال فحد واطئه القتل دليله من وقع على أمه وابنته وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم من وطء من لا يباح وطؤه بحال كان حده القتل كاللوطي والتحقيق ان يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل منهما وقد إتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إن حده حد الزاني وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث الى أن حده القتل بكل حال وكذلك إتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إلا أبا حنيفة وحده فانه رأي ذلك شبهة مسقطة للحد والمنازعون يقولون اذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة فانه إرتكب محذورين عظيمين محذور العقد ومحذور الوطء فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد الى محذور الزنا وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره





أحدهما انه يجب به الحد وهو قول الاوزاعي فان فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لانه انضم الى هتك فاحشة حرمة الميتة فصل

وأما وطء البهيمة فللفقهاء فيه ثلثة أقوال أحدها أنه يؤدب ولا حد عليه وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول إسحق والقول الثاني أن حكمه حكم الزاني يجلد إن كان بكرا ويرجم إن كان محصنا وهذا قول الحسن والقول الثالث أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد ويخرج على الروايتين في حده هل هو القتل حتما أو هو كالزاني والذين قالوا حده القتل احتجوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس عن النبي من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه قالوا ولانه وطء لا يباح بحال فكان فيه القتل حدا للوطء ومن لم يرد عليه الحد قالوا لم يصح فيه الحديث ولو صح لقلنا به ولم يحل لنا مخالفته قال اسمعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك أو قال الطحاوي الحديث ضعيف وأيضا فرواية ابن عباس وقد أفتى بانه لا حد عليه قال أبو داود وهذا يضعف الحديث ولا ريب ان الزاجر الطبعي عن اتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن التلوط وليس الامران في طباع الناس سواء فالحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس فصل

وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على سحاق المرأتين فمن أفسد القياس إذلا ايلاج هناك وإنما نظير مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج على أنه قد جاء في بعض الاحاديث المرفوعة إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الايلاج وإن اطلق عليهما اسم الزنا العام كزنا العين واليد والرجل والفم وإذا ثبت هذا فاجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره ومن ظن أن تلوط الانسان مع مملوكه جائز واحتج على ذلك بقوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد فان تاب والا قتل وضرب عنقه وتلوط الانسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الاثم والحكم فصل

فان قيل مع هذ كله فهل من دواء لهذا الداء العضال ورقية لهذا السحر القتال وما





الاحتيال لدفع هذا الخيال وهل من طريق قاصد الى التوفيق وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل الى سويدائه وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويداه لان لامه لائم التذ بملامه لذكره لمحبوبه وان عذله عذل أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم

وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم

أشهبت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهمأجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الاول الذي وقع عليه الاستفتاء عليه والداء الذي طلب له الدواء قيل نعم الجواب من أصله وما أنزل الله سبحانه من داء الا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله والكلام في دواء هذا الداء من طريقين أحدهما جسم مادته قبل حصولها والثاني قلعها بعد نزولها وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ومتعذر على من لم يعنه الله فان أزمة الامور بيديه وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فامران أحدهما غض البصر كما تقدم فان النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة منافع أحدها أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من إمتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره وما شقي من شقى في الدنيا والآخرة الا بتضييع أوامره الثاني أنه يمنع من وصول أثر السم المسموم الذى لعل فيه هلاكه الى قلبه الثالث أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله فان إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:54 pm

وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فانه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه الرابع أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه الخامس أنه يكسب القلب نورا كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الامر بغض البصر فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ثم قال أثر ذلك الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات اليه من كل جانب كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى وإجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة وإشتغال بأسباب الشقاوة فان ذلك انما يكشفه له النور الذي في القلب فاذ





فقد ذلك النور بقى صاحبه كالاعمى الذي يجوس في حنادس الظلام السادس أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب وكان شاه بن شجل الكرماني يقول من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل الحلال لم تخط له فراسة وكان شجاع هذا لا تخطي له فراسة والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن ترك شيئا عوضه الله خيرا منه فاذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بان يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره لله ويفتح له باب العلم والايمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي انما تنال ببصيرة القلب وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل وعمه الذي هو فساد البصر فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة يسكر القلب كما قال القائل

سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران

وقال الآخر

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين السابع إنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة كما في الأثر الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله ومثل هذا تجده في المتبع هواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه كما قال الحسن إنهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فان المعصية لا تفارق رقابهم أبي الله إلا أن يذل من عصاه وقد جعل الله سبحانه العزقرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين والايمان قول وعمل ظاهر وباطن وقال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أي من كان يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح وفي دعاء القنوت انه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه وله من العز بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته الثامن أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي فيمثل له صورة المنظور اليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقى عليه حطب المعاصي التي لم





يكن يتوصل اليها بدون تلك الصورة فيصير القلب في اللهب فمن ذلك اللهب تلك الانفاس التي يجد فيها وهج النار وتلك الزفرات والحرقات فان القلب قد أحاطت به النيران بكل جانب فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور لهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار وأودعت أرواحهم فيه الى حشر أجسادهم كما أراها الله لنبيه في المنام في الحديث المتفق على صحته التاسع انه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى لا تطع من أغفلتا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا واطلاق النظر يوجب هذه الامور الثلثة بحبسه العاشر أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر وإن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فاذا فسد القلب فسد النظر واذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في جانب الصلاح فاذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والاوساخ فلا يصلح لسكني معرفة الله ومحبته والانابة اليه والانس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه اضداد ذلك فهذه اشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها فصل الثاني اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق او حب مزعج فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب لم يجد بدا وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب لم يجد بدا من عشق الصور وشرح هذا ان النفس لا تترك محبوبا الا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب وهذ يحتاج صاحبه الى أمرين ان فقدا أو حدا منهما لم ينتفع بنفسه أحدهما بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثرا على المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين لتخلص من أعلاهما وهذا خاصة العقل ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه الثاني قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك فكثير ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأتي له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الانفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره وقد منع الله سبحانه إمامة الدين الا من أهل





الصبر واليقين فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به غيره من الناس وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره فالاول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره والثاني قد طفى نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه والثالث يمشي في نوره وحده فصل اذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن ان يجتمع في القلب حب المحبوب الاعلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان لا يجتمعان بل لا بد إن يخرج أحدهما صاحبه فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الاعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه وان أحبه لن يحبه الا لاجله أو لكونه وسيلة له الى محبته أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وان لا يشرك بينه وبين غيره في محبته واذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار ان يشرك في محبته غيره ويمقته لذلك ويبعده ولا يحظيه بقربه ويعده كاذبا فى دعوي محبته مع انه ليس أهلا لصرف قوة المحبة اليه فكيف بالحبيب الاعلى الذي لا تنبغي المحبة الا له وحده وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبالا ولهذا لا يغفر سبحانه أن يشرك به فى هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد منها بل يفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حيوة نافعة الا بمحبته وحده فليختر إحدى المحبتين فانهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق الى لقائه إبتلاه بمحبة غيره فيعذب به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة إما بمحبة الاوثان أو محبته الصلبان أو بمحبة النيران أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو بمحبة الاثمان أو بمحبة العشراء والخلان أو بمحبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان فالانسان عبد محبوبه كائنا ما كان كما قيل

أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

فمن لم يكن إله مالكه ومولاه كان إله هواه قال تعالى أفرأيت من اتخذ إله هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون فصل

وخاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب شيئا وخضع له فقد





تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب ويقال له التتيم أيضا فان أول مراتبه العلاقة وسميت علاقة لتعلق الحب بالمحبوب قال الشاعر

وعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للاتراب من ثديها ضخم

وقال الآخر

أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالبغام الابيض ثم بعدها الصبابة وسميت بذلك لانصباب القلب الى المحبوب قال الشاعر

يشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي

فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلى محب ولا بعدي

ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ومنه سمى الغريم غر بما لملازمته صاحبه ومنه قوله تعالى إن عذابها كان غراما وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب ثم العشق وهو سفر إفراط المحبة ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا يطلق في حقه ثم الشوق وهو سفر القلب الى المحبوب أحث السفر وقد جاء إطلاقها في حق الرب تعالى كما في مسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر إنه صلا صلاة فاوجز فيه فقيل له في ذلك فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي يدعو بهن اللهم إني أسئلك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى اللهم إني أسئلك خشيتك في الغيب والشهادة وأسئلك كلمة الحق في الرضاء والغضب وأسئلك القصد في الفقر والغنى وأسئلك نعيما لا ينفذ وأسئلك قرة عين لا تنقطع وأسئلك الرضاء بعد القضاء وأسئلك برد العيش بعد الموت وأسئل لذة النظر الى وجهك الكريم وأسئلك الشوق الى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين وفي أثر آخر طال شوق الابرار الى وجهك وأنا الى لقائهم أشد شوقا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه بقوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه الى لقائه وان قلوبهم لا تهدي دون لقائه ضرب لهم أجلا موعدا للقائه تسكن نفوسهم به وأطيب العيش واللذة على الاطلاق عيش المشتاقين المستأنسين فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها فهى الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والابرار والفجار من طيب المأكل والمشرب والملبس والمنكح





بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه فى ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها وصارت هى واحدة فى مرضات الله ولم يستشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله فصار ذكر محبوبه الاعلى وحبه والشوق الى لقائه والانس بقربه وهو المتولى عليه وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره بل خطرات قلبه فان سكت سكت بالله وإن نطق نطق بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى وبه يتحرك وبه يسكن وبه يحيى وبه يموت وبه يبعث كما فى صحيح البخارى عنه فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ما تقرب الى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتي أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها فيى يسمع بي يبصرو بي يبطش وبي يمشى ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بي لاعيذنه وما ترددت فى شيء أنا فاعله ترددي عن قبضى روح عبدي المؤمن من يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه فتضمن هذا الحديث الشريف الالهى الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به حصر أسباب محبته فى أمرين أداء فرائضه والتقرب اليه بالنوافل وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب مما تقرب اليه المتقربون ثم بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتي يصير محبوبا لله فاذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى فوق المحبة الاولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه إستيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له ولا ريب ان هذا المحب ان سمع سمع لمحبوبه وان أبصر أبصر به وان بطش بطش به وان مشي مشي به فهو في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه فالباء ههنا باء المصاحبة وهى مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الاخبار عنها والعلم بها فالمسألة خالية لا علمية محضة واذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين

خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب

وقال الآخر

وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعى

ومن عجب أني أحن اليهم ... فأسئل عنهم من لقيت وهم معي





وهذا ألطف من قول الآخر

إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني ... إذ أنت فيه مكان السر لم تغب

أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب ... فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء أدني من المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير فى المحبة أدنى اليه من نفسه بحيث ينسي نفسه ولا ينساه كما قيل

أريد لأنسي ذكره فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل

وقال الآخر

يراد من القلب نسيانكم ... وتأبي الطباع على الناقل وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر فان هذه الآلات آلات الادراك وآلات الفعل والسمع والبصر يوردان على القلب الارادة والكراهة ويجلبان اليه الحب والبغض فتستعمل اليد والرجل فاذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه وتأمل كيف اكتفي بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان فانه اذا كان ادرك السمع الذى يحصل باختياره تارة وبغير أختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منها فكيف بحركة اللسان التي لا يقع الا بقصد واختيار وقد يستغنى العبد عنها الا حيث أمر بها وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فانه ترجمانه ورسوله وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذى يبصر به وبطشه ومشيه بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده فى إدراكاته بسمعه وبصره وحركته بيديه ورجله وتأمل كيف قال بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ولم يقل فلي يسمع ولى يبصر ولى يبطش وربما يظن الظان ان اللام أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الامور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست الباء ههنا بمجرد الاستعانة فان حركات الابرار والفجار وإدراكاتهم انما هي بمعونة الله لهم وان الباء ههنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى وأنا صاحبه ومعه كقوله في الحديث الآخر أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه وهذه المعية هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى إن الله معنا وقول رسول النبى ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقوله تعالى وإن الله لمع المحسنين وقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين وقوله كلا إن معي ربي سيهدين وقوله تعالى لموسى

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:55 pm

وهارون إنني معكما أسمع وأرى فهذه الباء مفيدة بمعني هذا المعية دون اللام ولا يتأتى للعبد الاخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية الا بهذه الباء وهذه المعية فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف في حقه أمانا فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد وبالله تزول الاحزان والهموم والغموم فلا هم مع الله ولا غم مع الله ولا حزن مع الله وحيث يفوت العبد معني هذه الباء فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتي يعود اليه ولما حصلت هذه الموافقة مع العبد لربه تعالى فى محابه حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بى لأعيذنه أى كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب الى بمحابي فانا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسئلني أن أفعل به ويستعيذني أن يناله مكروه وحقق هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه في اماته عبده ولأته يكره الموت والرب تعالى يكره ما يكره عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة تقتضى انه لا يميته ولكن مصلحته في إماتته فانه ما لماته الا ليحييه وما أمرضه الا ليصحه وما أفقره الا ليغنيه وما منعه الا ليعطيه ولم يخرج من الجنة فى صلب أبيه الا ليعيده اليها على أحسن الاحوال ولم يقل لابيه أخرج منها الا ليعيده اليها فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه بل لو كان في كل منبت شعر لعبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب الا للحبيب لاول

كم منزل فى الارض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لاول منزل فصل

ثم التتيمم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحب لمحبوبه يقال تيمه الحب إذا عبده ومنه تيم الله أي عبد الله وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب ومنه قولهم طريق معبد أي مذلل قد ذللته الاقدام فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته في العبودية فلا منزل له أشرف منها وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم اليه وهو رسوله محمد بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الدعوة اليه ومقام التحدي بالنبوة ومقام الاسرى فقال سبحانه وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وقال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى وفي حديث الشفاعة إذهبوا الى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر





فقال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له والله سبحانه خلق الخلق لعباديته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع والذل وهذا هو حقيقة الاسلام وملة ابراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه قال تعالى ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه الآية ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واصل الشرك بالله الا شراك مع الله في المحبة كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأخبر سبحانه إن من الناس من يشرك به من دونه فيتخذ الانداد من دونه يحبهم كحب الله وأخبر ان الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الانداد لاندادهم وقيل بل المعني انهم أشد حبا لله من أصحاب الانداد فانهم وان أحبوا الله لكن لما أشركوا بينه وبين اندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله والموحدون لله لما خلصت محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الانداد هو في هذه المحبة ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا او شفيعا غاية الانكار وجمع ذلك تارة وأقر واحدهما عن الآخر تارة بالانكار فقال تعالى إن ربكم الله الذى خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع الا من بعد اذنه وقال تعالى الله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون وقال تعالى وأنذر به الذين الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون وقال فى الافرإد أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا وقال تعالى من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ماتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذب عظيم فاذا والى العبد ربه وحده وأقام له وليا من شفعاء وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقا أولياء من دون الله فهذا لون وذاك لون والشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق الثابتة التي انما تنال بالتوحيد لون وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الشرك بالله والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم والمقصود ان حقيقة العبودية وموجباته لا تخلص مع الاشراك بالله في المحبة بخلاف المحبة لله فانها من لوازم العبودية وموجباتها فان محبة رسول الله بل تقديمه في الحب على الانفس وعلى الاباء والانباء لايتم الايمان الا بها اذ محبته من محبة الله وكذلك كل حب في الله ولله كما في الصحيحين عمه أنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان وفي لفظ في الصحيح لا يجد عبد طعم الايمان





الا من كان في قلبه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وان يحب المرأ لا يحبه الا الله وان يكره أن يرجع الى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار وفي الحديث الذي في السنن من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي حديث آخر ما تحاب رجلان في الله الا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه فان هذه المحبه من لوازم محبة الله وموجباتها وكل ما كانت أقوى كان أصلها كذلك فصل

وههنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما أحدهما محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله الثاني محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس الى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها الثالث الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله الا بالحب فيه وله الرابع المحبة مع الله وهى المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية وهي ميل الانسان الى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم مالا إن ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله وقال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فصل

ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في القلب لمحبه سعة لغير محبوبه وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما إبراهيم ومحمد كما قال إن الله إتحذني خليلا كما اتحذ ابراهيم خليلا وفي الصحيح عنه لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لااتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وفي حديث آخر اني أبرىء الى كل خليل من خلته ولما سأل ابراهيم عليه السلام الولد فاعطيه فتعلق حبه بقلبه فاخذ منه شعبه غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فامر بذبحه وكان الامر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا ولم يكن المقصود ذبح الولد ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب فلما بادر الخليل عليه الصلات والسلام الى الامتثال وقدم





محبة الله على محبة ولده حصل المقصود فرفع الذبح وفدى بذبح عظيم فان الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء وكما أبقى استحباب الصدقة عند المناجاة وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها وقال لا يبدل القول لدى خمس في الفعل وخمسون في الاجر فصل

وأما ما يظنه بعض الظانين ان المحبة أكمل من الخلة وان إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله فمن جهله فان المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة وقد أخبر النبي ان اتخذ إبراهيم خليلا ونفى أن يكون له خليل غير وبه مع اخباره لحبه لعائشة ولابيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم وأيضا فان الله سبحانه يحب التوابنين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام والشاب التائب حبيب الله وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله فصل

وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لاقواهما محبة كما انه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوي عنده من كراهة ما يفعله والخلاص من مكروه كراهته عنده أقوي من كراهة ما يفعله وتقدم ان خاصية العقل إيثار على المحبوبين على أدناهما وأيسر المكروهين على أقواهما وتقدم ان هذا الكمال قوة الحب والبغض ولم يتم له هذا إلا بامرين قوة الادراك وشجاعة القلب فان التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون اما بضعف الادراك بحيث إن لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما كان عليه إما لضعف في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه الايثار الا صلح له مع علمه بانه الاصلح فاذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب الاعلى والمكروه الادني فقد وافق لاسباب السعادة فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوي من سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغلب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته ورذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبا عليه نفسه وشهوته إلا تناوله ويقدم شهوته على عقله وتسميه الاطباء عديم المرؤة فهكذا اكثر مرضى القلب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له فاصل الشر من ضعف الادراك وضعف النفس ودنائتها وأصل الخير من كمال الادراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها فالحب والارادة أصل كل فعل





ومبدأه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته ووجود العقل الاختيارى لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والارادة وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضاه وسببه وتارة يكون بوجود البغض والكراهة المانع منه وهذا متعلق الامر والنهى وهو يسمي الكف وهو متعلق الثواب والعقاب وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك هل هو أمر وجودي أو عدمي والتحقيق انه قسمان فالترك المضاف الى عدم السبب المقتضي عدمي والمضاف الى السبب المانع من الفعل وجودى فصل

وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين فانما يؤثر الحي لما فيه من الحصول والمنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الالم الذي يحصل له الشفاء بزواله ولهذا يقال شفاء صدره وشفاء قلبه قال

هي الشفاء لداء لو ظفرت بها ... وليس منها الداء مبذول وهذا مطلوب يؤثره العاقل حتي الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الالم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب وخاصة العقل النظر في العواقب فاعقل الناس من أثر لذة نفسه وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع نعيم الابد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء قال بعض العلماء فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم فهذا في الاكل والشرب وهذا في التجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والاصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت هذا المطلوب مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يوصل الى ضده ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلا اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر الى الاقبال على الله وحده ومعالمته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء فان سالك هذا الطريق فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالى الذى لا فوت معه وإن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهني الوجوه فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه الى لذته وبهجته وسعادته وبالله التوفيق





فصلوالمحبوب قسمان محبوب لنفسه ومحبوب لغيره ولا بد أن ينتهي الى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس شيء يحب لنفسه الا الله وحده وكل ما سواه مما يحب فانما محبته تبع لمحبة الرب تبارك وتعالى كمحبة ملائكته وانبيائه وأوليائه فانها تبع لمحبته سبحانه وهي من لوازم محبته فان محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع يجب الاعتناء به فانه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي لا تنفع بل قد تضر واعلم إنه لا يحبه لذاته الا من كماله من لوازم ذاته وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فانما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الاعيان والاوصاف والافعال والارادات وغيرها فهذا ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته فاذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه علمنا ان فيه من معاداته بحسب ذلك واذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه وكلما كان الشيء أحب الى الرب كان أحب اليه وأثره عنده وكلما كان أبغض اليه كان أبغض اليه وأبعد منه علمنا ان فيه من موالات الرب بحسب ذلك

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:56 pm

فتمسك بهذا الاصل غاية التمسك فى نفسك وفي غيرك فالولاية عبارة عن موافقة الولى الحميد في محابه ومساخطه ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا رياضة والمحبوب لغيره قسمان أيضا أحدهما ما يلتذ المحب بادراكه وحصوله والثاني ما يتألم به ولكن يحتمله لافضائه الى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فاخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع إنهم خير لهم لافضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس تحب الراحة والفراغة والرفاهية وذلك شر لها لافضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاقل لا ينظر الى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فان ذلك قد يكون شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم وتفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة فالامور أربعة مكروه يوصل الى مكروه ومكروه يوصل الى محبوب ومحبوب يوصل الى محبوب ومحبوب يوصل الى مكروه فالمحبوب الموصل الى المحبوب قد اجتمع فيه داعى الفعل من وجهين والمكروه الموصل الى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين بقى قسمان الاخران يتجاوز بهما الداعيان وهما معترك الابتلاء والامتحان فالنفس توثر أقربهما جوارا منهما وهو العاجل والعقل





والعقل والايمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو الى هذا مرة والى هذا مرة وههنا محل الابتلاء شرعا وقدرا فداعي العقل والايمان ينادي كل وقت حي على الفلاح عند الصباح يحمد القوم السري وفي الممات يحمد العبد التقى فان اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والارادة يقول

يا نفس اصبرى فما هى الا ساعة ... ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول فصل

وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الاعمال الدينية حب الله ورسوله كما إن أصل الاقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال حب الله ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق في معارضة لاصل الايمان أو مضعفة له فان قويت حتي عارضت أصلى الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب وهى تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي الراغب فلا تصلح المولات إلا بالمعادات كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين فلم تصلح لخليل الله هذه الموالات والخلة إلا بتحقيق هذه المعادات فان ولاية الله لا تصح إلا بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتي تؤمنوا بالله وحده وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذى فطرني فانه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون أي جعل هذه الموالات لله والبراءة من كل معبود سواه كلمته باقية في عقبه يتوارثها الانبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة لا إله إلا الله وهي التي ورثها إمام الحنفاء لاتباعه الي يوم القيامة وهى الكلمة التي قامت بها الارض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهى محض حق الله على جميع العباد وهى الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهى النشور الذي لا تدخل الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل الى الله من لم يتعلق بسببه وهى كلمة الاسلام ومفتاح دار السلام وبها تنقسم الناس الى شقى وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الاسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهى العمود الحامل للفرض والسنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وروح هذه الكلمة وسرها





إفراد الرب حبل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره بالمحبة والاجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والانابه والرغبة والرهبة فلا يحب سواه بل كان ما كان يحب غيره فانما هو تبعا لمحبته وكونه وسيلة الى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا يرجي سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا اليه ولا يرهب إلا منه ولا يحلف إلا باسمه ولا ينذر إلا له ولا يتاب إلا اليه ولا يطاع إلا أمره ولا يحتسب إلا به ولا يستعان في الشدائد إلا به ولا يلتجي إلا اليه ولا يسجد إلا له ولا يذبح إلا له وباسمه يجتمع ذلك في حرف واحد وهو أن لا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا هو فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها كما قال تعالى والذين هم بشهاداتهم قائمون فيكون قائما بشهادته في باطنه وظاهره وفي قلبه وقالبه فان من الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة اذا نبهت انتبهت ومنهم من تكون مضطجعة ومنهم من تكون الى القيام أقرب وهى في القلب بمنزلة الروح في البدن فروح ميتة وروح مريضة الى الموت أقرب وروح الى الحياة أقرب وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن وفي الحديث الصحيح عنه إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت الا وجدت روحه لها روحا فحياة هذه الروح بهذه الكلمة فيها فكما ان حياة البدن بوجود الروح فيه وكما ان من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشها أطيب عيش قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى فالجنة مأواه يوم اللقاء وجنة المعرفة والمحبة والانس بالله والشوق الى لقائه والفرح به والرضى عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مأواه ههنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا والابرار في نعين وان اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا والفجار في جحيم وإن إتسعت عليهم الدنيا قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا فاي نعيم أطيب من شرح الصدر وأي عذاب أضيق من ضيق الصدر وقال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة قال النبي إذا مررتم





برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة وقال حلق الذكر ومن هذا قوله ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله وقد سئلوه عن وصاله في الصوم وقال اني لست كهيئتكم انى أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فاخبر إن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب والحسي وإن ما يحصل له من ذلك أمر مختصا به لا يشركه فيه غيره فاذا أمسك عن الطعام والشراب فله عوض عنه يقوم مقامه وينوب منابه ويغنى عنه كما قيل

لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور يستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي

إذا اشتكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتحي عند ميعادى

وكل ما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو اليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكل ما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء على الاطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة الا بذلك فعدمه ءألم شيء له وأشد عذابا عليه وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم العقوبة بفراق أحب شيء اليها وأنفعه لها وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته حتى إذا صحى وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والاشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها الى الله بل الالم والحسرة والعذاب هناك أشد باضعاف أضعاف ذلك فان المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض ويعلم إنه قد أصيب بشيء زائل لابقاء له فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعا فلو قضي الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به وان الموت لا يعود أكبر أمنيته وأكبر حسراته هذا لو كان الألم على مجرد الفوات كيف وهناك عن العذاب على الروح والبدن أمور أخرى وجودية مالا يقدره قدره فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الالمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة الا معه فاصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت اليه كيف يكون حالك هذا ومنه كل عوض فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل





من كل شيء اذا ضيعته عوض ... وما من الله أن ضيعته عوض وفي الأثر الالهى بن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني فان وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب اليك من كل شيء فصل

ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها ولا يصلح الا له وحده مثل العبادة والانابة ونحوهما فان العبادة لا تصلح الا له وحده وكذا الانابة وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وقوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأعظم أنواع المحبة المذمومة المحبة مع الله التي سوى فيها المحب بين محبة الله ومحبته للند الذي إتخذه من دون الله وأعظم أنواعها المحمودة محبة الله وحده وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقي في العذاب الا أهلها فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار من دخلها منهم بذنوبه فانه لا يبقى فيها منهم أحد مدار القرآن على الامر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن المحبة الاخرى ولوازمها وضرب الامثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما واخباره عن فعله ولنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار والقران باقي شأن النوعين وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم الى آخرهم انما هو عبادة الله وحده لا شريك له المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والاجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لانت أحب الي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال والذي بعثك بالحق لانت أحب الي من نفسي فقال الآن يا عمر فاذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله ووجوب تقديمها على محبة النفس ووالده وولده والناس أجمعين فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه





ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها فان الواجب له من ذلك كله أن يكون الى العبد أحب اليه من ولده ووالده بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب اليه من ذلك كله والشيء قد يحب من وجه دون وجه وقد يحب بغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا تصلح الالوهية إلا له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع فصل

وكل حركة في العالم العلوي والسفلى فأصلها المحبة فهي علتها الفاعلية والغائبة وذلك لان الحركات ثلاثة أنواع حركة إختيارية إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية فالحركة الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسم اذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعود اليه وخروجه عن مركزه ومستقرة وإنما يتحرك بتحرك القاسر المحرك له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره وحركة طبيعية بذاتها تطلب بها العود الى مركزه وكلا حركتيه تابع للمحرك القاسر فهو أصل الحركتين والحركة الاختيارية الارادية هي أصل الحركتين الآخرتين وهي تابعة للارادة والمحبة فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والارادة والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الارادية وان لم يكن له شعور بها فاما أن يكون على وفق طبيعته الاولى فالاولى هي الطبيعية والثانية هي القسرية إذا فهمت هذا فما في السموات والارض وما بينهما من حركات الافلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها فانما هى بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا كما دل على نصوص القرآن والسنة في غير موضع والايمان بذلك من تمام الايمان بالملائكة فان الله وكل بالرحم ملائكة وبالقطر ملائكة وبالنبات ملائكة وبالرياج ملائكة وبالافلاك والشمس والقمر والنجوم ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة كتبين على يمينه وعلى شماله وحافظين من بين يديه ومن خلفه ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها الى مستقرها من الجنة والنار وملائكة بمسألته وإمتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه وملائكة تسوقه الى المحشر إذا قام من قبره وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنة ووكل بالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه الى حيث أمرت به وملائكة بالقطر تنزله بامر الله بقدر معلوم كما شاء الله ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلاتها وفرشها وثيابها والقيام عليها وملائكة بالنار كذلك فاعظم جند الله الملائكة ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لامر





فليس لهم من الامر شيء بل الامر كله لله وهم يدبرون الامر ويقسمونه باذن الله وأمره قال تعالي إخبارا عنهم وما نتنزل الا بامر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا وقال تعالى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لامره في الخليقة كما قال تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالعاليات ذكرا وقال والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا وقال تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا وقد ذكرنا معني ذلك وسر الاقسام في كتاب أقسام القرآن اذا عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والارادات والافعال هي عباداتهم لرب الارض والسموات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها فلولا الحب ما دارت الافلاك ولا تحركت الكواكب النيرات ولا هبت الرياح المسخرات ولا مرت السحاب الحاملات ولا تحركت الأجنة في بطون الامهات ولا أنصدع عن الحب أنواع النبات ولا اضطربت أمواج البحار الزاجرات ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الارض والسموات وما فيها من أنواع المخلوقات فسبحان من تسبحه السموات والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فصل

إذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل يحسنه وكل متحرك فأصل حركته المحبة والارادة والاصلاح للموجودات الا بان تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وباريها وحده كما لا وجود لها الا بأبداعه وحده ولهذا قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان رب العرش عما يصفون ولم يقل سبحانه لما وجدتا ولكانتا معدومتين ولا قال لعدمتا اذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد لكن لا يمكن أن تكون على وجه الصلاح والاستقامة الا بان يكون الله وحده وهو معبود لهما ومعبود ما حوتاه وسكن فيهما فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد فان كل إله يطلب مغالبة الآخر والعلو عليه وتفرده دونه بالالهية اذ الشرك نقص في كمال الالهية والاله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا فان قهر أحدهما الآخر كان هو الاله وحده والمقهور ليس باله وان لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه ولم يكن تام الالهية فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما وإلا ذهب كل منهما بما خلق وطلب كل منهما العلو على الاخر

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
الزعيم
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل : 329
البلد :
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: تابع سلسله الجواب الكافي   الثلاثاء فبراير 17, 2009 4:58 pm

وبذلك نكون انتهينا من سلسله الجزء الاول من الجواب الكافي

_________________


يا نادما علي الذنوب اين اثر ندمك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://7baybna.montadarabi.com
 
تابع سلسله الجواب الكافي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه ميت عدلان  :: الفئه :: المنتدي الاسلامي :: منتدي الفقه والعقيدة-
انتقل الى: