شبكه ميت عدلان ( منتدي اسلامي &ثقافي & برامج كمبيوتر وجوال & سياحه & الرأي وارأي الاخر)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 قادم من اقاصي الذهن ( وهيب سراي الدين)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: قادم من اقاصي الذهن ( وهيب سراي الدين)   الإثنين يوليو 28, 2008 7:14 pm




قادم من أقاصي الذهن





ذراري النفس تهوّم في غبش لا متناهٍ.

ثمة ذبابة تعرّد في فضاء ظلام مطلق. تئزّ بأجنحتها هائمة لائبة. تبحث عن فرجة نور تنفذ منها.

شخوص هلامية تسبح في بحور العتمة. تتتالى. ثم تتلاشى فوق لجج صاخبة.

يا لعالم الليل الفسيح المليء بالأخيلة والأحلام، وأشباح الرؤى! كم من رغباتٍ وكنوز يخبئها، في غبار سديمه؟

أمّا العالم الخارجي ذاك. فهو كناية عن علبة مكعّبة، من الإسمنت. تنحسر وتضيق، ثم تأزم وتكاد تحدث انفجاراً.

حقيقة الوضع لديها جد قلق، وغير مرضٍ. وبخاصّة عندما تكون في حالة اليقظة. أتبقى، يا ترى، في نوم دائم. أي في سبات. حتى تظل عائمة.

وتتحوّل روحها إلى رسائل، وشيفرات محمومة. تتفجّر بآلاف الرغبات والأماني؟

الوعي في حصار وريبة؛ طالما تلك العزلة، في وحدتها، بشكل جائر ومستبد!

شقة سكنية في عمارة. ورصيد كبير، من المال، تورثهما عن أبيها، كوحيدة له. لا يشكلان لديها حياة. الحياة تحتاج إلى شرائط أخرى. ولا سيما عند المرأة!

النسوة في الشقق المجاورة. لهن وضع غير. على الأقل تصلهن رسائل من مسافرين: أزواج. أو أقارب. أو أصحاب...

-ولتحصر اهتمامها في هذه النقطة –أيجوز ساعي البريد. ذاك الرجل ذو البذلة الخاكية الزرقاء، والقبعة ذات الواقية الكبيرة. هو الذي يمنع عنها رسائلها؟

هو الذي تراه كل صباح يزمر ببوقه، في أذنيها، دون جدوى. ممتطياً صهوة دّراجته الهوائية. يدخل الباب الرئيسي. يفتح العلب البريدية. بل يقرع الأجراس. وينادي الأسماء، ليسلّم الرسائل، ويقبض المكافآت...

وبعد أن تجري كلاماً شجياً مع نفسها. تعود إلى جنّتها المفقودة. حيث الأحلام، والخيالات، والرؤى الحميمة –داخل الجفون –وتجوس تضاريس ذهنها تصاوير برّاقة، وتزاويق، وتلاوين. تتملاها بمشاعر ساخنة وتعكسها بمراياها الداخلية: شكله جميل. وجهه طافح، فيه شارب خفيف أسود. والجذع عامر. القامة فارعة...

وتلاحقه في صحاريها الشاسعة، وتأخذ منه وعداً، ولو رسالة. يسلّمها إياها ساعي البريد.

إذن هي ستصلها رسالة كباقي النسوة. ولتنتظر صباح الغد بفارغ الصبر. متى سيأتي ساعي البريد، حاملاً معه تكل البشارة الموعودة؟ ثم تغمض عينيها لتعود تسلَّل إليه كاللحظة الجميلة. وتغدو كفراشة تطير فوق اللهب. وتحرق أجنحتها.

ثمة تلويحة "تشاور" لها. كانت تلويحة خجلة. غير أنها مملوءة بالوجد والنشوة. أجل هو متوفّز لرائحتها كأنثى. وتندفع نحوه كسمكة في عرض اليمّ. وتوشك أن تقبض على ضالتها. ثم تشيح عنها. وترجع بالخيبة. وبعد هذا اللوبان. لا تجد غير السراب. سراب بحرها الخادع!

كيف؟ كان قد ألاح لي بيده اليمنى. وبَرَقَ فيها شيء أصفر. آه...!

كم هو رائع وجميل الخاتم يلمع في "إصبع البنصر"، ويؤطرها...

وأخذ خيالها يغزل لها عرانيس، من المخايل الخلاّبة: عصفوران يقفزان فوق الأشجار. يبنيان عشّهما قشّة قشّة. طائراً خطّاف يأتيان في موسم الربيع ليجدّدا الحياة...

تهدهد نفسها. ونواقيس الفرح تقرع في غياهبها. ثم تعود تستيقظ إثر بوق ساعي البريد.، الذي يثير الدهشة في كيانها من جديد. تستعيد ركام أيامها الرمادية: أين رسالته لي؟ لم يسلّمني إياها (الساعي).

وتغطس في حندس يقظتها مكتئبة.

عالم اليقظة مسربل بالسواد. ولكن لم تيئس بعد. بل ثابرت بعناد الأنثى:

"ستصلني رسالته في اليوم الآتي".

تتعشم قمح الأماني. وساعي البريد يدور على الأبواب. يدقدقها. يقرع أجراسها. وينادي صاحبات الرسائل...

هي من جهتها تبقى تصيخ السمع بأذنين مرهفتين كأذني فرس. علّها تسمع نأمة ما تفصح عن اسمها. ثمة قلق حائر على وجهها. تهرع إلى الشرفة. وتصرخ بأعلى صوتها. كما يفعل المجانين: "اسمي ولهى... يا ساعي البريد". تذكر اسمها الأول. وتتركه مفتوحاً عن قصد. لتربطه يوماً ما بصاحب (الاسم المنشود)، الذي فطن بها أخيراً وكتب لها رسالة.... ولما لم تسمع اسمها. تساورها الشكوك: ساعي البريد هو الذي يحتجز الرسالة. حتماً توجد لي رسالة بين الرسائل التي يوزّعها.

وتنفعل كأنها كلها إرادة لتصلها رسالة: يا ساعي البريد، لك عندي "إكرامية" مجزيةٌ، أين رسالتي

يا للخيبة! يسمع ساعي البريد. ولا يلتفت إلى الوراء.

يميّزها الغيظ. لو يعلم هذا الغبي مقدار المبلغ الذي سأكافئه به؟

سيفوق أضعاف مكافآت سلمى، وهيفاء، و....

تعود، وتنغلق على نفسها. دون أن تأخذها هواجس، من جهته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: قادم من اقاصي الذهن ( وهيب سراي الدين)   الإثنين يوليو 28, 2008 7:14 pm

هي تثق به. لقد أدمنت رؤيته. وصار جزءاً من حياتها الداخلية:

عندما رأيته في تلك"الأقاصي". وعدني برسالة. فلا بدّ من أن يفي بوعده. هو صادق. وساعي البريد ينساها في حقيبته. أو أنه يكرهني هذا الخبيث. ويضمر لي الشرّ. ماذا أسأت إليه؟

وترتمي على فراشها لتعود إلى المطاردة في فيافي ذهنها. تحلّق. تلمح خياله. تتبعه بإصرارٍ طاغٍ. يبتعد عنها. تركض وراءه. تنده: يا.... / -وتنبت على لسانها غابة من كلام حلو عذب. دون أن تنطق. إذ تجد شفتيها مصمّغتين. تنزعج جداً. وبحركة لا إرادية تسقط عن السرير. فيتبخّر الحلم الضائع، في محلولك اليقظة.

في ضحى يوم الغد، جاء ساعي البريد. كان خالي الوفاض كالعادة. قاومت دمعة حرّى كادت تنحدر على يانع خدها. فكرت كيف ستتعامل مع هذا العدو اللدود؟

فطنت أن تضلّله بعلبة بريدية في المدخل. علّه يدسّ فيها رسالتها.

في الضحى التالي، فتحت العلبة. وجدتها فارغة. ضربت الأرض بقدميها، وصفعت العلبة لكمةً، أطاحتها بعيداً.

أين رسالتي؟ /سألت الساعي هذه المرة وجهاً لوجه، وهي تنفخ كأفعى في يوم حارّ. حدثتها نفسها أن تمسكه من ياقتة، وتشدّه...

واقفها الساعي برهةً. وهو يحدق إليها. دون أن يجيب. وجد في وجهها الفضي المشرّب بالحمرة عينين زرقاوين عميقتين عمق البحار. ويكنّان عن أسرار دفينة، كأسرار البحار –إنها لأنثى في عنفوان عمرها –بعد لأيٍ كسر قشرة الكلام: "رسالة من"؟

-"رسالته لي..." /وسكتت.

أحسّ الساعي كأن التمعت عيناها بكلام خفي. طامن رأسه. حتماً فهم –بسليقته –أشياء كثيرة، في هذه المواقفة معها. ولا يدري كيف تعبأه حزن عظيم. من حق هذه المرأة أن تتسلّم رسالة.... ثم دفعه إشفاقه هذا لأن يسهر ليلة كاملة مع قلمه (ذي الحبر الناشف). ويدبّج كلمات معدودة.

حقيقة. لم تغادر نفسه عيناها الآسرتان!

كادت تفقد عقلها. أو تنفجر، كقنبلة، من شدّة الفرح. حينما وجدت في العلبة رسالة ممهورة بخاتم بريدي.

-هذه رسالته. لقد أوفى بوعده لي. بين يدي رسالة حقيقية منه...

يالقوّة ذهنها هذه التي اكتشفت مخبأة، بعد مشقّة مريرة؛ وطوّعته، كقوّة فيزيائية!...

والآن، فلتنكب على الرسالة. لتلتهم عيناها أسطرها المتباعدة، المتواثبة، بكلمات قليلة. وضعت كصوىً في طريق مجهولة.

أعادت القراءة مرات، ومرات. وهي تشحذ طاقة جوارحها. بكل ما تستطيعه. ما أجمل لحظات البهجة!

-: "حبيبتي ولهي... أنا قادم... إليك... أعتذر منك... سألتقيك... الساعة السادسة... مساءً... في باب..... الحديقة. ونتكلّم كثيراً..... إلى.... اللقاء..."
(توقيع مبهم)


حزن شديد آخر اعترى ساعي البريد.كيف خدع هذه "المخلوقة"؟

هي في الموعد المحدّد ستحضر طبعاً. وكم سيكون حزنها إذا ما خاب ظنها بصاحب الرسالة...

ثم غمره فرح عارم عندما حدثت تلك المقابلة المجدولة بالياسمين والحبق والنارنج. هناك على مقعد خال. قرب باب الحديقة العامة، بين رجل وامرأة.



كان يبتسم، وهو ينظر إليها. المرأة بكامل زينتها، وفائق عطرها.

والرجل ببذلة ذات ياقة وعقدة. لم يضرها قدمها. تبقى بذلة رسمية. تصلح لمقابلة امرأة، في أمسية زهرية. وخير من بذلة عمل مصنوعة من قماش الخاكي الأزرق...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قادم من اقاصي الذهن ( وهيب سراي الدين)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه ميت عدلان  :: الفئه :: المنتديات الادبيه :: منتدي القصص-
انتقل الى: