شبكه ميت عدلان ( منتدي اسلامي &ثقافي & برامج كمبيوتر وجوال & سياحه & الرأي وارأي الاخر)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مجموعه قصص ( منال فياض)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:43 am


سفر في وريد مقطوع

نظرت طويلاً في الصورة المعلقة على الجدار بلا إطار، فيها أشياء كثيرة تشبهك الشعر المبعثر كخيوط الشمس فوق كتفك... المطر الأبدي الحزين الغارق في الأهداب وعينيك النجلاوين.
وعلى رف المكتبة نظرت في صورتي المحاطة بإطار ذهبي حين كانت لحيتي السوداء منذورة لفتاة في الغربة.
اشتريت الصورة فقط من أجل عينيك المخلوقتين فيها كالمعجزة. وقبل أن تستعبدني الذكرى وتضعفني، وأمام الانتظار الطويل لأحد المرضى الأشقياء. أقفلت باب العيادة وصرفت الممرضة.
تعب المطر... فنام في البرك وثقوب الأرصفة. مشيت كما يمشي جميع الرجال بمحاذاة أفواه الدكاكين. كل شيء ينادي أن أشتريه (قهوة -علبة سجائر- منظفات- مجلات).
وقفت مشدوهاً أمام واجهة المكتبة حين لمحت بسرعة كتاباً صغيراً بحجم الكف الكبير مكتوباً عليه اسمك بالأصفر، وأنا الوحيد الذي أعلم بأنك تحبين الأصفر وتحبين زهرة عباد الشمس لأنها تدير وجهها بقوة ومتعة في وجه الشمس، في البيت قرأت كتابك في الشرفة، دخنت علبة من السجائر وفي الليل لفّ صوتي في اختناق فأيقظتني زوجتي ومسحت وجهي بحفنة من الماء.
في الكابوس تحولت حروفك المتصلة إلى حبل وصارت تعصرني وتغبّ من دمي.
وصلتني رسالتك بأنك تحتضرين- لم أصدق- لأني مثل أهلك، أحسّ بأنك ستعيشين لتشهدي دفن الجميع.
فوق تربتك بدأت أصغر وتحتها بدأت تكبرين، ومن خلف قضبان صدري أقف كالمحكوم لأبرر لك وأدافع مرة عن نفسي فقد طال صمتي، وأنت قلت بأن الصمت يقتل حين يستدعي الحدث كلمة واحدة ولا ننطقها.
فوق سريرك في الطابق التاسع كنت تشردين، ترتسم سفن الميناء بعينيك وأنت تحكين لجيرانك المرضى قصص عشتار وأندروماك وآلهة اليونان. تمنيت لو سمعتها منك بالتفصيل أنشدّ عبر صوتك في الزمن المخلد بحكاية.
في إحدى المساءات الحلوة، جسست لك النبض، نسيت الإشارة الحمراء التي تفصل بين عبوري من نفسي إليك، خرج من عينينا لمع خفيف لا توقفه قوى الأرض كلها. ولا الحراس ولا القانون. ولا اللّه. لم أنم ليلتها رغم مناوبتي وتعبي حتى الصباح في غرفة الانعاش. أصابعي مدبقة بدمعك مسحتها وأنت تتوسلين لي أن أريحك من آلامك بإبرة في الوريد. ووعدتك مازحاً بطريقة تريحك وبدأت الوخز بالروح حتى الموت. كنت أمزح، كنت أكذب. نسيت بأن المزاح سيرتدي في يوم موتك لون الكحل.
كنت مطروحة فوق السرير، تقرئين، تنامين وحدك، وتستفيقين لا أب يسأل ولا أخ ولا قريب. أخبرتني بأن أمك قبل عشر سنين لطمت وجهها، وشدّت شعرها، وفي انهيارك في المشفى للمرة الثانية بكت واعتقلت ألف دمعة.
ولما صار الألم مستمراً ومملاً صارت تزورك بضحكة مخضبة بالحسرة.
قبل ست سنوات من الآن كنت أترك لحيتي السوداء على سجيتها، كنت كالمجنون بالحفظ، حفظ شكل العظام، ومسيرات الدماء، ومناطق تواجد الأوردة. لي طموح واحد، أن أرجع إلى بلدي بلقب طبيب، أخرج من باب هذا المشفى ولا أعود إليه.
قبل أن أثور بدمعك الصافي كالفضة لم أفهم ما معنى الإنسانية كان الوريد أنبوباً رفيعاً يحرّك أجساداً تالفة، وبعدك صار له شكل آخر ولون ورائحة لم نقرأ عنها في كتب الطب. صار له همس القصب وانحناءات نهر بين الحصى وتحت خشب المراكب.
يا من بدأت تفتحين أبوابك في رياضي لتحويني في حضن اللّه... قصائدك قبل أن تنشر في كتاب لم أفهمها في مسودتها، لأني لم أرد أن أفهمها ربما لضيق الوقت أو لانشغالي بالأهم. مررتِ بي كما تمر نجمة في وضح النهار ولا نراها لأن الشمس أقوى من كلّ الكواكب.
نشتم رائحة الزبالة ولو كانت في يدنا وردة حين نمر بالقمامة الفائضة على الأرصفة لأننا لا ننشدّ لسوى الأقوى... لسوى الأكثر والأكبر. حين نختلي بأنفسنا بين أربعة جدران لا نجد وقتاً للصلاة ولا نفكر حين ننظر إلى ستائر النافذة بسوى نوعية قماشها وطريقة حياكتها.
مذ فهمت نظرتك الأولى حذرتك مني. من ذاك الحقد والبعد بيني وبين النساء.
(عبير) رجمت قلبي بليرات زوجها الجديد. حين سافرت لتكمل دراستها في روسيا أعطتني منديلها المغمس بالعطر والدموع وقبل أن تحصل على الشهادة حصلت على العريس تلك المرأة التي أكلها الفقر لتهضمه هي. (عبير) لم تغير يوماً تسريحة شعرها ولا بنطالها (الجينز الأزرق) من يومها فهمت بأن هدوء الوجه كالهدوء قبل العاصفة كالصفار في الوجه يغطيه ارتخاء واختناق لكنه يخفي في الدم الموت وآكلات البشر الصغيرة.
تلك نظرتي للنساء انطفأت من (عبير) لأشتعل بك. ابتسامتك، نعومتك، شعرك القصير.. هدوءك كل شيء جميل فيك يذكرني بها.
حاولت أن أخفي ولعي بك كما يفعل الطفل حين يسرق أو يخبئ في جيبه الصغير قطعة سكر نسيت بأن جمال الأنثى بكبريائها، وأن الرجل الشرقي مهما تمدّن يبقى ويجب أن يبقى الذكر القط الراكض من فوق الأسوار وراء المرأة آدم نفسه مشى خطوتين وراء حواء، فلم كسرت قوانين الطبيعة وأخذت تمشين كالثملة تحت زخات المطر تبتلين وأنت تبحثين عن هدية تليق بطبيب. نسيت نفسك لأذكر نفسي.
مشيت وراء صوتي المتعب، صوتي المبحوح مثل أصوات كل الرجال، والمريول الأبيض يلبسه الجزار والحلاق والطباخ وآلاف الرجال.
أواه يا عزيزتي، الأسى لا ينتسى. حين ذهبت في غيبوبة، وصعدت رائحة العرق من الممرضات والأطباء المتحلقين حول سريرك كي يجعلوك تتنهدين أو أن يعيدوا لك ضربات قلبك. لم تقدر العيون كلها أن تحبس دمعها عليك. فكرنا كيف نخبر أهلك وانتظرنا أن يبرد جسدك الممد كتمثال من العاج. إذكر كيف اتهمني الجميع بحبك حين احمر وجهي وارتجفت أناملي وأنا أصرخ بهم أن يبتعدوا لأسهر قربك على السرير حتى الصباح وأنجح في اقتناص وريدك الضامر. شهقت واغترفت من عينيك نظرات العسل من ذلك اليوم تسرّع نبضك ليستفيق دمي.
قلت لي:
-أفديك بروحي.


عدل سابقا من قبل ساره في الثلاثاء يوليو 22, 2008 10:02 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:46 am

قلت لك.

-هذا واجبي تجاه أية مريضة.

شعرت بأنك ملكي بدأت أرقبك كحارس. من تكلمين من الذكور في عائلتكم؟ لمن تبتسمين من رفاقي من الأطباء. وكنت دائماً أسأل نفسي أهو حبٌّ؟ وأجيب: بل إن الذي بيني وبينك أسمى من الحب.

في غربتي صرت أمراً مفروضاً في حياتي كالمطر، والشمس، والشاي، والسيجار أشتاق كما تشتاق النوارس إلى أوطانها الأولى.



كنت بريئة وصرت بحبي تكبرين بسرعة مخيفة، دموعك لونّها الكحل، بدأت تكتحلين لتشوهي أجمل ما تملكين وبدأت تغارين من كل الإناث حتى انتشرت في دمك الغيرة كما ينتشر فيك المرض يوماً بعد يوم.

لم أجبرك أيتها المرحومة أن تشطري جسدك نصفين. نصف لي ونصف بي أن تفتتي نفسك لتكون دموعك الأسيد الذي أطفأك. علمتنا الديانة والأسطورة أن الحياة توهب ثانية لنكون أقوى منها لنكون ثائرين على حياتنا الأولى- عيشي- قلتها لك ألف مرة كان لديك وقت طويل كي تتصرفي بطفولة.

لم أجبرك أن تحملي لي أكياس السكّر ويدك مزرقة وممزقة من وخز الإبر فقط لأنك تعلمين بحبي للشاي المحلى بالسكر. ذكرتني بالطفلة كوزيت وهي تحمل الماء المثلج تحت رصاص المطر من الغابة البعيدة، البطلة الصغيرة في قصة البؤساء.

صليت كي لا تفكري بي كما تفعل الأخريات، ابقي كنحلة تلحس لتعيش لا لتشبع في نهايات ثغرها لذة المص. ابقي قبالتي تقولين شعراً لم ينشر على صفحات المجلات، شعر لي وليس للعالم أجمع. و لا تتخيلي ماذا يحصل لو التقى جسدانا التقاء رجل أدماه التعب بالفراش. لكن الحب لا يترك أحداً صغيراً صرت تتمارضين تقطعين عن نفسك الدواء لتكوني بين يدي في غرفة الانعاش شعرت بك... عيناك كجذوتي نار تحرق جسدي الممدد فوق سريري داخل غرفتي كنت بعينيك تحرثيني حرثاً قطعة قطعة. عطفت عليك فدعوتك بكيت لأنك تريدين وترغبين في تلك اللحظة أن أجعلك كحبة رمل بين الحذاء والرصيف.

انتصرت على نفسك وفي النصر خسارة حتى للقائد العظيم.

لو كنت أعلم بأنك ستموتين لما أقفلت في وجهك باب العيادة وأنت ترتجفين متعبة من السفر الطويل مغمسة بلباس كالليل (المعطف- الحقيبة- البنطال) أتيت إلى بحجة تقديم العزاء بوفاة والدي. لم تكوني حزينة عليه كنت تخبئين وراء حزنك فرحاً كبيراً كأنك كنت تنتظرين وفاته كي يفرحك لقائي، يومها صغرت في عيني أيتها الحبيبة.

اليوم توقف المساء. من أجلك نظرت في وجه زوجتي بازدراء وهجرتها حتى الصباح فيا أيتها الماشية نحوي في طريق وريدك المقطوع.... اعذريني.

يوم زرتني نسيت أن أضع يدي في يدك حتى يندمج عرقك في مساماتي كالمرهم.

نسيت أن أحقق لك بعضاً من حلمك قبلة على وجنتيك كقبلة أخ غائب عن أخته الحبيبة تكورت وراء مكتبي لأنني جبان -فمن قال لك أن شعر الوجه يصنع رجولة في الرجال.

في ذلك اليوم نفسه خفت منك، شبهتك بالخفاش حين رجعت في العاصفة إلى الكاراج بطريق مظلم يخشاه الرجال.

من دلّكِ على الطريق. الزقاق الأول والثاني ثم المنعطف الأخير؟ فأنت في مدينتك نفسها لا تعرفين سوى طريق واحد من باب بيتكم إلى غرفتي في الطابق الأخير.

أتسمعين؟

أعلم أن الروح تبقى لتشقى حول من تحب.... أتكونين روحاً لوردة القرنفل في هذا الأصيص أو أنك تلامسين شعري ووجهي المحصود تنسجين معي في السيارة لتستقري في صورة الطفلة الباكية المعلقة على الجدار.

أربعون عاماً.... وها نحن نفترق لنلتقي فوق ورقة... فيا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية.
1992
¨¨¨








والأبناء يضرسون








أنا أبو نجيب، أبٌ لولد لم يولد برغم مرور السنين، قبالة داري قصر سطحه من قطع القرميد وستائره شجرات الياسمين، قصر مصنوع من حجر القلعة التي لم يبق من هيكلها سوى جدار مثقوب وعدة أعمدة. هم يعمّرون ونحن نهدم كم تعبوا وهم يجرّون الحجر لفوق الجبل، وكم فرحنا ونحن نعمّر بعض البيوت من ذاك الحجر.

تجمعني مع السيد عارف أرض تشبُّ كلّما كبرت فيها جذوع شجر الزيتون أملك الثمن منها، بعد أن اهترأت ساعات النهار أجلس على كرسي بسيط لكنه مريح آمر زوجتي كما يحلو لي مراقباً خلفيتها العريضة بشهوة آخذ أنفاساً من التبغ (أبو ريحة) أزرعه في الحاكورة.



زوجتي بديعة تنظف له البيت كل يوم خميس قبل أن يقدم أولاده من المدينة يوم الجمعة مصطحبين زوجاتهم.

(نورا) ابنتي بدأت تنطق أول كلمة -بابا- فتقع في قلبي وقوع الزيت بالنار. في هذا العام امتدت فروع الزيتون في كل اتجاه وأثقلت بحبات كروية خضراء ناضحة بالزيت.

السيد عارف متواضع جداً ينزل إليّ ويجلس إلى جانبي على (الخوان)، تسرع بديعة وتضع خلف ظهره وسادة يستند عليها، إنه يحب الكلام كما أحب الصمت قال لي بعد شرود:

-أتعلم...؟! كلّنا أولاد زنا بالمحارم.

ثم يأمر زوجتي بتحضير النرجيلة متأملاً عمارته وكأنه يملك العالم.

شجرة السنديان أبقيتها في أرضها، تحتها تعمّر (نورا) بيتاً من الحجارة المصفوفة بشكل مربعات على العشب.. وفوق فروعها الضخمة تنغم العصافير أجمل الألحان، يخرج أحياناً صوت يشعرني بخوف- رغم حلاوته- حين يندمج مع ضجيج الماء في البركة الصغيرة. صنعت لها من الحبل أرجوحة. شعرها الأصفر يطير على وجهها المدوّر، صرختها... ضحكتها المتقطعة تبدّد ضباباً غريباً يحيط بعتمة سراديبي. بدت كوردة شقائق النعمان في ربيعها وهي ترتدي الفستان الأحمر هدية السيد عارف لها في عيد ميلادها.

أدفع الحبل في الهواء بقوة فتعلو ثم تنخفض ويتطاير كاشفاً عن جسد أبيض كثلج تحت الشمس. أحسست في لحظتها بشعور شيطاني غريب، طلبت السماح من الرب راجعاً بقلقٍ إلى الغرفة غير مكترث بها وهي تنادي بأعلى صوتها: (بابا... لم ذهبت؟! ادفعني....).

كنت أحدق بعيون زوجتي الهاربة دائماً في عالمها الداخلي وأنا أحدثها عن المستقبل والشيء الذي كنت آمله (الولد). بل أريد أولاداً.. أولاداً بعدد الشجر الذي أملكه. اقتربت نورا بقلق ناظرة في العمارة المقابلة، قالت:

-بابا... صحيح أن الإنسان يعيش ويموت سبع مرات؟!

-ربما لا أعرف يا نور حياتي.

-أحسّ بأني عشت في ذاك البيت!

اشتعلت أعصابي غيرة من عارف، لا أريد لخيالها أن يتخطى حدود الفقر نحن راضون بالعيشة الشريفة نكتسي، ونشبع، ونضحك كثيراً. الصمت الطويل انفجر انفجار النجوم المضيئة في عيد رأس السنة حين بشرتني بديعة بشيء يتحرك في بطنها، وأنها تقيأت مرتين واشتهت أن تأكل التراب، وحبات الفريز الأحمر. لم أنتظر للغد... إلى سوق الخضرة فوراً وهناك في الساحة المزدحمة بالعربات الخشبية مسحت بطرف كمي دموع الفرح. "أخيراً يا ولدي الشقي... تأخرت بحضورك إلينا. آخ، كاد العمر أن ينتهي...".

السيد عارف يفسد تربية الطفلة، يذكّرها بعيد ميلادها، ويطالبني بإرسالها إليه كي تتعلم مع أحفاده استعمال الحاسوب وأخذ الساعات الخصوصية فصارت تطالبني بالهدايا وتعدّها واجباً محتمّاً عليّ، وحقاً من حقوقها حتى اعتادت على عيشة الصغار البورجوازيين.

أطفأت في حزيران تسع شمعات، تبدّدت خيوط الدخان الصاعد من الشمع حين صفقنا بحرارة. قبّلها السيد عارف فوق جبينها، حضنها بقوة. ولما قالت له بهمس سمعته (هديتك رائعة... أنت أبي الثاني) شعرت بألم في فجوة رأسي الثمل لكني تجاهلته وحضنتها أنا الآخر بدوري وحين عانقتني أفقت من غيبوبتي، جذبتها إلى صدري ثانية لأتأكد فاحتقرت نفسي وانكمشت هي كما تنفر اليد من النار. ابتسمت بتصنع ناسية أن تشكرني على الهدية كما فعلت مع عارف.

أخذت نجيب من حضن أمه وضممته متمنياً لو أنه يشبهني بلون الشعر الداكن بسمار البشرة، بتدويرة الوجه الذي تتميز به عائلتنا. أخذ فقط اسم جده.

شجر الزيتون بدت أوراقه الصغيرة مغبّرة جذوعه رمادية مقشرّة، وأنا أيضاً هرمت، والبغل الأحمر الذي يجرّ عربة المازوت شتاءً صار كسولاً لا يقطع بضعة أزقّة حتى يخرّ تعباً. والرجل يهرم في الستين إن عاش شقياً راكضاً وراء الليرات القليلة تحت المطر فوق الوحل بين ذرات البرد، وذرات الغبار. وكلّه من أجل الأولاد، آه، الأولاد... يمصّون دمي... هات... هات... هات.

والآن وبعد أن أسرد قصتي، افهموا لم البعض من البشر يجرّون البغال، وعيونهم كالأحذية تزحف ببطء فوق الطرقات؟

ولم يُلّف ذاك النداء (م.اا..زووو...ت) بالحزن والعويل والاستجداء فاغفروا لي بطولتي التي أعدها انتصاراً على قدر أحمق... الموت وحده ينهي لعب القدر، ولو أنه آخر لعبة.

تلك التربة الباردة التي تلتحف بالعشب الأخضر والورد البري، والتي كانت جنة لطفلين يكبران كما الشجرة فرعاً.. فرعاً، وشبراً... شبراً. أرض جدي، وجد جدي صارت تبطن في جوفها الخطيئة.من أجلهم استأجرت غرفة في حي (الدعتور) كي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:47 am

يتعلموا، ويرفعوا اسم بائع المازوت، الفلاح، على باب عيادة، أو باب وزارة، أو مؤسسة للحكومة كررت على مسامعهم دائماً بأن العظماء خلقهم الجوع من الأزمة خرج المفكرون والمتأملون والثائرون كاللبن لا يصبح زبدة إلا حين يُخض بقوة.

تحقق حلمي، صارت (نورا) في الجامعة جميلةً جداً لولا نظارتها الطبية التي تخفي عينيها الخضراوين. وبسبب تفوقها على دفعتها. كرّمت، بدأت تتقاضى راتباً شهرياً بسيطاً يعينها على شراء بعض من حاجياتها الكثيرة.

و (نجيب) أمسى رجلاً لم تولد الأرض مثله... سيأتي اليوم ببزته العسكرية وستلتمع النجمة الذهبية فوق كتفه العريض وهو يحمل الحقيبة الدبلوماسية، يحضر لي قصصاً غريبة مثيرة عن الجنود في الفرقة التي يرأسها. سنشرب اليوم العرق (الريّان) حتى نسكر، اليوم عيد رأس السنة، اليوم لن أعمل وغداً أيضاً. لن أبيع المازوت ثانيةً احتراماً لمركزه، وكيف أعمل بعد الآن...؟

لقد تعبت وانهدّ الظهر و(نجيب) يشدّ الظهر.

وقبل أن يأتي المساء، اشتريت (الشعبيات، وأساور الست، والقضامة). مزّق شرودي، وفرحي لا تسعه السماء، صوت امرأة تتأوه وتئن دخلت الزقاق، وأمام باب خشبي مفتوح تمددت فتاة منفوخة البطن تلهث بسرعة وتصرخ. رميت الكيس جانباً ولم يمر وقت طويل حتى صارت في المشفى. أخذوا مني هويتي. وبعد ساعتين خرج من مغارتها السوداء طفل اتهمتني بأبوته. كادت تقبّل حذائي المهترئ وهي تستغيث. اعترضت وصرخت فأنا لدي أولاد لهم سمعتهم في البلد. وصل كلام الطبيب إلى أذني فكان له وقع الصاعقة حين ابتسم وأردف على كتفي (اشكر ربك يا رجل، التحليل الطبي يبشّر بالخير... أنت لا تنجب أبداً).

لطمت وجهي بكل ما أملك من قوة حتى احمر ثم ازرقت مساحاته "نورا ليست ابنتي ونجيب لا يحمل شيئاً من جسدي ولا نقطة مني... نجيب الملازم ابن زنا.. ابن حرام؟!"

قررت أن آخذهم في ذلك المساء من شهر كانون في رحلة نهايتها العالم الآخر، العالم الأسفل.

أمرتهم أن يحضّروا أنفسهم للذهاب إلى القرية. فقالت نورا ببلادة: (اليوم... الثلاثاء، يومان ليوم الجمعة يا بابا...) لأول مرة أشعر بقزازة تلك الكلمة، كلمة بابا لها نغم كحشرجة الصراصير المنزلية في خشب عفن.

استأجرت سيارة أجرة... طوال الطريق كنت صامتاً لساني له قساوة وثقل الحجر حين سمعت (بديعة) الخائنة تخطط لمستقبل الأولاد، ستبيع أساورها الذهبية وتشتري بثمنها بقرةً هولنديةً حلوباً، أو ربما بقرتين. و(نورا) من الخلف تشبك ذراعيها حول عنقي شعرت باختناق أحد المحكومين بالإعدام شنقاً تطالبني ببضعة أوراق نقدية لتشتري حقيبة تناسبها كطبيبة.

أما (نجيب) فله رأي آخر مخالف لرأي أمه، فهو لايطيق عيشة القرية ولا الأرض. يفضل أن نبيعها ونبدّلها بـ(شاليه) على الشاطئ يدر علينا المال الكثير دون تعب الحراثة والهم في انتظار موسم يمكن أن يثمر أو لا والكلّ اتفق على أني كبرت ويجب أن أستريح.

خبأت دموعي الحديدية... آه... البكاء بصوت مرتفع في تلك اللحظة أمنية سال أنفي... سال قلبي... انفتحت كل المسامات في جلدي حتى أغرقني العرق.

(نورا) تمازح أخاها، فيضربها شاداً شعرها، تستنجد بي، لم أنطق لأني لو نطقت بكلمة واحدة ستلغيها الغصة. نظرت إلى المطر باحتقار وكفرت بالحياة.

قصر عارف -معتم كالعادة في الشتاء. صرنا في الأرض بين بيتنا المغطى بالتوتياء وبين القصر. سلّمت كل واحد منهم مجرفة وقلت: (احفروا) نظروا إليَّ بقلق إلا نجيب خلع ثيابه وبقي بالسروال. انشدّ نظري إلى عضلاته القوية التي صنعتها بتعبي، وعمري صرخ بفرح: (هنا كنز جدي؟ أجل كنز يا بابا). ردّت نورا: (انتظرنا سنين.... دعونا نحضر في الغد يا بابا).

قالت بديعة بخبث: (سنعيش أثرياء لولد ولدنا).

تأملتهم تأمل الوداع، قبّلت نورا، عانقت نجيب، وقلت لهم بابتسامة شاحبة: (ألا ترغبون بصورة تذكارية قبل أن يظهر الكنز؟).

اصطفّ ثلاثتهم على حافة الحفرة وبثلاث ضغطات على الزناد تراءت أمامي صورة مذهلة. ثلاث طلقات أنهت ثلاثة من البشر.

أخذت المجرفة ورددت فوق جثثهم التراب حتى سكنت الأرض من ألم الحفر، رجعت تجاعيدها كما كانت. زرعت فوق تربتهم شجرة صارت تكبر لتثمر زيتوناً أحمر.

أجبني أيها البغل، ولو بشخرة... أسرع قليلاً... حا.. حا.

(ما... زوت... مازو...ت).

¨¨¨¨










الكرســــــي








أيقظتني عصافير الدوري فوق غصون شجرة التوت اليابسة خلف نافذتي. أخذت نفساً قوياً حتى امتلأ صدري بهواء الفجر. الوقت مازال باكراً رجعت للنوم ثانية لأنهض عند الظهيرة شعرت بالاشمئزاز لأن أقول دائماً (أبشع منظر في الدنيا صورة رجل نائم حتى الظهر. وأحلى ما في الدنيا.. طفل نائم وقت الظهر). وقفت طويلاً أمام المرآة معجبة بنفسي. ومن خلفي الشجرة الميتة تظهر في المرآة أيضاً، جسدي سيهترئ. ولكل شيء مصير. كل المناظر الرومانسية في الغرفة تأمرني أن أبدأ بالشعور الجميل. ولكن الوقت طويل ومازال لدي وقت كاف لحب عظيم.

فنجان القهوة الصباحي لم يشبع رغبتي في احتساء فنجان آخر في الهواء الطلق اليوم عطلتي في الجامعة. اتصلت بصديقتي الوحيدة ودعوتها للفطور في مكاننا المعتاد في مقصف يطل على البحر لكنها اعتذرت بسبب سفر زوجها المفاجئ.

ركبت سيارة أجرة. أرقب بعيون ذابلة الناس بأعمارهم المختلفة يهرولون في مسيرة دائمة عشوائية لا تنتهي. لوائح الإعلان الصارخة بكلمات كبيرة.. كل لائحة تجارية وطبية تصرخ بسكان الأرصفة أن يدفعوا.

وصلت إلى حارة أقل ازدحاماً شوارعها نظيفة والنظافة هكذا تخيف. الأرصفة أيضاً يغطيها بلاط حجري. الإعلان الأخير شد فضولي، فنزلت من السيارة، فجأة مشيت خطوات قليلة نحو بناء عريض يشعر بالرهبة، يحيط به خضار الشجر من كل الجهات. ومن بين الورق الصغير يظهر لونه الأبيض اللامع مبهراً للنظر. دخلت الباب الواسع وبدأت المشي في طريق بنيّة ضيقة جداً يكللها شجر السرو على جانبيها. بدأت الغناء بهمس ناسية أنني لم أعد طفلة. الطريق تنسي المرء عمره عندما يصير في أعماق الطبيعة الخالدة بعيداً عن ضجة المدينة والسعي وراء لقمة العيش والغياب الدائم في عتمة العيادات والمستشفيات.

انتهت الدرب بجنة واسعة أزهار عباد الشمس البرتقالي بحجمه الكبير تحيط بتمثال ضخم لطفل من البرونز الأسود يمد يديه الفضيتين في الهواء بلهفة لحضن أم غائبة عن الوجود ومن بين فخذيه يخرج خيط من الماء ليصب في بركة صغيرة.وقبل أن أدخل في الباب الضيق وصل إلى سمعي صوت موسيقا كلاسيكية. رجال يصرخون مع صوت فرقعة أصابع أصوات أطفال أيضاً... تهدأ الموسيقا حتى تغيب ويخرج صوت امرأة ليهدئ من صخب الصراخ، جف لعابي... دفعت نفسي إلى الفسحة الواسعة كعب حذائي أسمعه يرن فوق بلاط الرخام. هدوء اشتعل فجأة ليملأ المكان بقوة الإيقاع. إيقاع يحكي حكاية شعب قديم لدرجة أنني رأيت أحصنة تصهل. وقلعة حجرية. أب يقتل.. أم محمرة الوجه فوق تنورها.. رجال بعيون زرقاء. صليب يكسر.. صليب يعمر.. صرح يبنى. قبر يهدم من أجل جثة أخرى.. تفجر قلبي.. وبالكاد جمعته لأكمل رحلتي مع اللوحات التشكيلية المعلقة على الجدران.. أحتاج ساعات كي أنهيها بالتأمل والتفكير.. الواقع مع الروح الحالمة وفي اللوحة الأخيرة التي أوقفتني لتحمل بين جفني دمعتي قلق انجذب نظري إلى الكرسي الرمادي المائل إلى الصفرة الداكنة. وفوقه رجل مرسوم بالأبيض يذوب كشمعة أشعر بأنه سيتلاشى بعد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:48 am

دقائق. الرجل الثلجي يتململ مع الموسيقا يتحرك فمه بشكل منحنيات.. أخفضت نظري وقبل أن ألقي نطرة أخيرة.. التقت عيناني بعينيه اللامعتين كان يجلس مع رفاقه خلف طاولة طويلة.. وجه نشيط وشفاه يغطيها شارب كستنائي لأول مرة أشعر بالسهم الخفي -قاتل السكون- سهم يفتح القلب على الحياة لتبدو أجمل. مرة أخرى مسحت بنظري كل المناظر. رأيتها بمنظور آخر. حتى وصلت إلى اللوحة الأخيرة. سألته بجرأة مصطنعة عن رمزها بعد أن وقع نظري عليه بغير قصد. صار يشرح لي. معاني كلماته لم أسمعها لكن نغمها الرجولي عبأ أوردتي بالدماء يبدو أنه أذكى مما توقعت. دعاني لفنجان شاي مع الكعك بكل أدب. لم أتردد جلست قبالته شاعرة بالضعف والخجل. كان الحديث طويلاً. بدأت أتحدث بطلاقة فجأة تحرك الكرسي وحده من قبالتي توقفت فجأة عن الكلام. نسيت نوع الحديث الذي بدأته من ساعة. صعقت. رجل بهذا المرح والثقة والشخصية القوية مصاب بالشلل قررت أن أرحل في سبيلي فما أكثر الأحلام التي تنتهي بالمفاجآت والغرابة علي أن أختفي فوراً قدماي لم تطاوعاني على الوقوف. يبدو أنه لحظ الاصفرار في وجهي عندما تحرك كرسيه. انطفأت نجمة النهار في حدقته الواسعة رفع يده وأشار إلى اللوحة وراءه:



(أنا من رسم تلك اللوحة).

لو تحدثت وماشيته في تلك اللحظة. لفرطت دموعي لذا لذت بالصمت، وهو يحدثني عن القذيفة التي فتتت رفاقه الأربعة في جنوب لبنان ولم يبق إلا هو شاهداً على نار شبت لتأكل السيارة العسكرية وتلوكها. تغير صوته عندما قال: (ليتني كنت معهم محترقاً بدمي.. هاهي الأيام تزول- عمر ويمضي أنا كافر أنا أتعذب...).

نظرت في عينيه العسليتين دخلت فيهما إلى أعماقه قلت له بغير شعور (أنت بطل.. ياسيد جمال.. أنت شهيد يتحرك..) ثم تصنعت ابتسامة ردَّ علي بمثلها.

غير حديث الحرب تكلم عن عيشته ووضعه المالي. بيت كبير وسيارة مع جنديين بالإضافة إلى الراتب الشهري الذي يتقاضاه من الجمعية.

أكملنا الحديث في الحديقة أجرّ الكرسي بقوة أنثوية ليتحرك ببطء.

أسندت ظهري على جذع ضخم لشجرة عملاقة. حاولت ألا أنظر إلى قدميه فأشعر بضعفه. الشمس تختفي من الوجود تأخرت فليكن لم يبق سوى ظلين بشريين وعشرات الظلال لجذوع الشجرات. أحسست ببرودة كفي عندما وقعت في كفه الدافئة شبهني بوردة البنفسج. صرت أمشي مع الكرسي. صرخ صوت من قرب.. اقتربت الخطوات السريعة نظر الشاب القصير إلينا بابتسامة وأخذ الكرسي بكل هدوء. العجلات تدور مسرعة على الطريق الضيق الذي بدأ مخيفاً بعض الشيء في تلك العتمة جمال يناديني أن أسير بمحاذاته أمسك بذراعي وأمر الجندي أن يتمهل (اذهبي الآن... أتمنى أن تتوقف الحياة عند تلك اللحظة لكن ما باليد حيلة) صرنا قبالة سيارته أمرني بالرحيل فجمدت كالصنم في مكاني.. لم يكن يريد أن أرى ما رأيت انتشله الشاب لافاً إياه بذراعيه. ثم وضعه في السيارة السوداء. ومن خلف الزجاج بدا وجهه لامعاً قوياً كوجه فارس أسطوري حلمت به كثيراً.

في المساء فتحت النافذة على مصراعيها. بدت شجرة التوت مخيفة وهي عارية في عز الصيف. الجو حار جداً ولا نسمة هواء تبدد الاختناق.

والسرير بارد جداً أمام الحرارة الساكنة في كل الأشياء وحتى في الهواء كتبت قصيدة قصيرة قضيت فيها أربع ساعات من الألم الروحي قصيدة لم تتجاوز عشر كلمات، أظن بأني السبب في بكائه الآن. كنت أدري بأن الحب الكبير الذي نشأ بيننا قد ذكره بعجز تناساه مدة سنتين وكنت واثقة بأن الدمع لا يزيد الرجال إلا رجولة اشتعلت عيناه حقداً غابت قليلاً عن الوجود وضع الورقة في جيب قميصه الأبيض. رد علي بجمود وتكلف (شكراً يا آنسة) ثم نزل في جنينة الشجر، وحدي وقفت أرقبه كيف يغيب في البهو عبر الباب الضيق أعماني الدمع والعتمة انتظرته في اليوم الثالث جميع رفاقه خلف الطاولة الطويلة يضحكون ويتهامسون خجلت أن أسأل عنه... انتظرته كثيراً.. لم يظهر. صرت قلقة كعصفورة أضاعت فرخها.

في اليوم. الرابع. لم يظهر.

في اليوم الأخير. لم يظهر.

بدأت أزور الحديقة عندما تفتح لأسبوع كامل من كل عام. وأقول.

في العام الثاني. لم يظهر.

في العام الثالث. لم يظهر.

في العام العاشر. لم يظهر.



¨¨¨¨








ثَورَةُ ضَريرةٍ






الضجة تثير الأعصاب، سيارات وشاحنات تتناثر على طول الشارع كحبات عقد مبعثرة، حرارة الشمس تشعل الأرض احتراقاً والشجرة الوحيدة في الساحة مقابل دكان قديم لا تهتز فيها ورقة، جو مناسب لقيلولة قصيرة بعد طعام الغداء.

فجأة تملأ النوافذ المفتوحة بالرؤوس الناظرة ببله إلى الساحة.. الصراخ يعلو، تلعن أم عزيز عيشتها شادة جسدها الثقيل هي الأخرى إلى نافذتها بعيون نصف مفتوحة.. أبو عادل يقفز حاملاً عصا رفيعاً وصوته كصوت محرك قديم يخرم الآذان، نظر من خلف نظارتين لامعتين بضوء الشمس إلى أعلى يتفحص النوافذ المرتبة بشكل مربعات على جسد البناء.

-أظهروها.. أين اختبأت؟

وصار يهوي بالعصا على جذع الشجرة حتى خارت قواه، سحب نفسه وصعد إلى بيته في آخر طابق. حل الليل بطوله.. خرجت الشمس ثانية من الشرق. وقف في الساحة واستأنف الصراخ لكن هذه المرة بشكل آخر.. ضعف الصوت وأخذ نغمة حزينة.

-يا جماعة لن تشفقوا عليها أكثر مني.. هي لا تستطيع الابتعاد عن المدخل.

وأمام توسلاته خرجت منيرة تنظر في البعيد متكئة على الجدار صاعدة الدرج بصمت دون التفات وبين جدران الغرفة حصل نقاش حاد انتهى بصفع منيرة عدة صفعات.

-سترحلين يا مغضوبة.

فتعالى صراخها:

لا أطيق القرية... هنا ولدت، وهنا أموت.

-ستدفنين العائلة كلها ولن تموتي.

حررت نفسها من بين يديه ونزلت الدرج تزعق وتولول.

-اتصلوا بالشرطة.. أنقذوني.

الجميع نصحها بقبول الأمر الواقع، فهو أبوها وولي أمرها.



اقتربت من أم عزيز وهمست في أذنها:

-خالتي.. أنت وعدتني بالعريس.

صرخت بدهشة:

-أي عريس؟...

وانفجر الوالد غيظاً.. سحب ابنته من يدها مزفراً على الجارة التي أغلقت الباب بقوة في وجهيهما بعد جدال عقيم. منيرة ترفض أن تغير من حياتها، السهر على الشرفة واللذة في سماع صوت الراديو الصادر من الشرفة المقابلة، شعورها بوجود أحدهم وشعورها بجمال جسدها، الوجه المدور كقرص البدر والصدر العاجي الواسع الذي ينتظر ليكون باحة لطفل.

كل هذا تلمسه بيدها فيشتعل انتظاراً وأحلاماً.

في آخر مساء على ذلك الكرسي كانت تتذكر آخر ما رأته في هذه الدنيا وجه أختها التوأم حاملة حقيبة حمراء ترقص مرحاً وهي ترفع الجلاء الأزرق وترمي بنفسها على الوالد عند الظهيرة، تداعب بإصبعها ذقنه والأشعار المعثكلة كغابة ليلية فوق صدره الكبير.

مازالت تذكر ظليهما وتلحظ المحبة التي وهبت لأختها، واختفت الألوان مع الأيام.. اختفى وجه الأخت الأسمر الضاحك باستمرار.. اختفى الولد صاحب الكرة الذي صار رجلاً وسافر مع أختها إلى لبنان ليستقرا وينجبا.

أقفل الباب بالمفتاح. وسحبت إلى صندوق السيارة الكبيرة، تكورت تضم ركبتيها تاركة نفسها على سجيتها. تهتز مع رجة السيارة، السيارة تقف فجأة. تسمع صوت صفارة يلحقها صوت زعيق المحركات ومزامير منوعة كموسيقا يدق على آلاتها مجموعة مجانين. هذا الصوت، صوت والدها والسائق فقط يدخل أذنها. الظاهر أنهم صاروا خارج المدينة.

قطع الحجارة الصغيرة المدهوسة تحت العجلات تعلن بالوصول إلى الجبل. وضعت رأسها بين كفيها متذكرة أمها الخرفة وعصرته بقوة مبتهلة في عتمتها أن تنزلق السيارة في أسفل الوادي فيصير والدها إلى الجحيم لتكون حرة بأحلامها، تتحكم بذاتها تبتسم تتأمل وتتخيل متى وكيفما تشاء.

جرها الوالد بيدها، لم تمل برأسها يمنة أو يسرة أصوات قرقعة الحجارة المدببة تحت أربعة أقدام ثقيلة، وأفكار تلوك عقلها مثيرة ومرعبة.

تلاحقت الأيام لا صباح تشرق شمسه ولا حرارة للظهيرة تنبئ بموقع الشمس من الكون.



والطعام نفسه الفطور كالغداء والعشاء. قطعة خبز مع سلق أو كوسا والخضار حسب الموسم فإن زرعت الأم نوعاً من الشتل سيظل هو الطعام الثابت طيلة فترة تواجده في الأرض.

تمددت في الغرفة الحجرية تداعب الوسادة تجدل شعرها الطويل وتفرده دون ملل ناسية أن العمر مضى وأن الشعر اصطبغ بالأبيض الفضي، الدم يغلي في عروقها شيء في داخلها يأمرها بفعل أي شيء بالركض أو المشي بالرقص بالدوران حول نفسها.

المجرفة وصوت رقرقة الماء ولهاث أمها اختفى... صرخت حتى تأكدت من خلو المكان دخلت الغرفة بحثت في الخزانة النحاسية عن كيس وضعت فيه أشياءها ودست يدها في صدرها باحثة عن قطعة القماش المنتفخة بالنقود.

تحسست بعصاها صخرة وقعدت عليها تدير أذنها إلى كل خطوة، انتفضت من مكانها حين سمعت دندنة ولد يقفز وراء بقرة وضعت في يده عشر ليرات لينفذ كل ما تطلبه أوصلها إلى الطريق العام، أوقف لها حافلة الركاب أجلسها في مقعد فارغ ثم اختفى.

تبتعد مرة أخرى، الزمان يختصر المسافات الطويلة وفي النهاية يعلن السائق بصوته الحاد عن آخر نقطة وقوف. يحدق بالجسد الحائر على كرسيه في المرآة الصغيرة، ابتلع لعابه الغزير وبنظرة واحدة نهمة استقرت مكابحها لما وقعت على عينيها الخضراوين الصغيرتين. وجهت رأسها ناحيته، ابتسمت للهواء انقبض حين اكتشف عماها فتذكر الرب، وطلب منه السماح.

أمسك بيدها البيضاء حتى صارت تحت الشجرة الوحيدة، دقت باب أم عزيز واختفيا في الداخل، شرحت منيرة مغامرتها محتسية القهوة الحلوة.

-فكرت كيف ستعيشين؟

مؤقتاً سأظل عندكم بضعة أيام.

جحظت عيناها، تحول شعور الشفقة إلى شعور بالاشمئزاز ارتجفت واشتعلت أعصابها ناراً (أبو عادل سيبحث عنها هنا- اللّه يبعد الشر والمشاكل- وزوجي الموظف سيجن جنونه. إنه لا يصبر حتى الأولاد).

استجمعت قواها شارحة تعذر هذا الأمر. وكان الوداع الأخير.. دقت، خبطت على الأبواب، البعض لم يفتح لها والبعض الآخر لم يغير إجابة أم عزيز، أما الباقون فقد عرضوا عليها المال شفقة، مما سبب لها حزناً وإحباطاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:49 am

مرة أخرى وقفت على الرصيف، دموعها تبلل صدرها المتعرق (الشيء الوحيد الذي سأقرره.. الموت).

ورمت بجسدها إلى الشارع، سيارة يزعق زمورها. بالكاد توقفت في مكانها انتشلها أحدهم يظهر من صوته أنه في الثلاثين.

-انتبهي يا خالة.

ابتسمت بمرارة وهي تلعنه في داخلها (خالة؟‍‍‍!).

صوت حفيف العجلات على الطريق الأسود سكان الحارة في رقعة واحدة. همهمات وهمسات (إنها منيرة... ساعدها اللّه.. ماتفعل وحدها هنا...).

الأصوات تقل. بقيت وحدها. تفرقوا كما يختفي الغبار في العاصفة كل إلى شغله.

تلمست بيدها الشيء الذي علق بشعرها، ورقة صغيرة قاسية اقتلعت من الشجرة (هكذا دائماً يبدأ السقوط.. ورقة ورقة.. وفي ذاتها يسقط فيها الدم قطرة قطرة، لكل شيء ظل والظل مع الأيام يقزم حتى يختفي هجرتني كل الأشياء، لم يبق لي من الدنيا سوى عماي).

لم يتغير شيء سوى للحظة قصيرة، مسل ما فعلته.. عمل يعشّش بالذاكرة. غيرت من بلادة زمنها.. وافترست المكان بإرادتها. استحوذت على اهتمام الجميع وصارت حديث البنات والنساء تشعر الآن ببرودة الشمس، لابد أنه العصر. لن تدعها أم عزيز في الساحة. ستنام عندها الليلة.



والآن يد تشد بمعصمها كقبضة الحديد، تجرها كما المرة الأولى وتدفعها إلى الصندوق الكبير في السيارة ذاتها. في لحظة الاختفاء الأخير مالت منيرة برأسها نحو حارتها متخيلة الرجل صاحب الراديو ونشرات الأنباء وهو يلوح لها بيديه. فركت يدها المحمرة من الضغط، تجمدت في مكانها و (سقطت).



¨¨¨¨








المليونير يتسول






ترّجل، رنّت الشناشيل والسلاسل الفضية. صهل الحصان الأبيض بغنج ضارباً بأسفل حوافره أحجار الطريق. صوت يتداخل في السكون. العشرات صغاراً وكباراً يتجهون بصخب ناحية درب (الخرّ) يتفرجون على الرجل الجميل يحدقّون بكل قطعة تغطي أجزاء جسده. الحذاء العجيب الواصل إلى الركبة. بنطال أبيض ضيق مشدود على البطن بزنار مصنوع من المعادن الثقيلة وقبعة مخملية فوق رأسه الأسمر.

"عجيب أمركم أنتم الفلاحون.. تروحون وتجيئون في الأزقة والمزارع. تدخلون وتخرجون كأنكم في قطعة ليف كلّكم.. تجتمعون ليستخدمكم رجل واحد يجدد جلده بكم حين يحفو ويتعرى في الحمام...".

من تلك الدرب الضيقة نفسها دخل القرية، وكلّ ماكان يملكه أب وأم، وحمار رمادي يحمل فوق ظهره، وسادتين وغطاء. حين فعل الذل بالفقر حكاية نزلوا من الجبل إلى الساحل وتبرّع الخلق في القرية كلّ حسب قدرته. ومن ظهر الحمار جمع والده ثروة، يبيع البيض، يصفّه في سلاسل فوق قش أصفر له رائحة الأرض الدافئة. ثم طور تجارته صار يبيع كل ما تحتاجه الفلاحات، من الإبرة وحتى المناديل وأقمشة الأغطية والستائر.

الجميع يهتف من القلب بحياة أحمد عفيف الذي غناه اللّه بمعجزة جعلته في نظرهم في مراتب الأولياء. فأبوه حين مات سقط على وجهه نور من السماء.

ثم أمطرت الدنيا بعد انقطاع. وانفرجت الأحوال.

يتسابق التجار في بيروت لاستقباله حين ينزل في الفندق الكبير. يؤجلون الصفقات والاجتماعات. تبذل الراقصات جهوداً في الميل والرفع والخفض لتفوز الواحدة منهن بإشارة أو ابتسامة من السيد أحمد. وتضحك- ناتالي- جميلة السهرة والمحظوظة في هذه الأمسية. تمسك يده بحياء مصطنع وتقوده إلى غرفة داخلية يسقط فيها الضوء بشكل موجه إلى طاولة مستديرة. يرتاح لها لأنه اعتاد على مزاحها لاحظ قلة مرونتها وبعض التجاعيد حول عينيها. إنه الزمن يأكل الصبا ويلفظ العظام لم يخذله الحظ في بداية نهايته لكنهم الأصدقاء الذين اتفقوا على أن ينفذوا حكماً بإفقاره. ونفذت الخطة بشكل ذكي، ناتالي تلطف الجلسة. تصب الخمر في الكؤوس، تغير أشرطة الكاسيت ومن خلفه علقت مرآة خلف ستارة. في المرآة يظهر رأسه من الخلف وأوراق اللعب البلاستيكية. من عشر سنين لم يخسر سوى مرة واحدة. وهذه هي المرة الثانية. خسر كل شيء ولم يعترض لأنه يفهم قوانين اللعب.

جوزيف مالك السفينة الراسية في ميناء طرابلس يناوله مصاريف الرجوع.

-مش كل مرة بتسلم الجرة.. إنت كلمتك بالحزب وبالضيعة ما بتصير اتنين وإلك شعبية بالمدينة.. تصرّف..

تلك آخر زيارة وآخر سهرة له في بيروت باع أراضيه الخضراء حتى لم يبق عنده مسافة بساط يمدّ رجليه فوقه.

في محله الكبير الذي يملكه، أضخم محل في البازار ضغط رأسه بقبضتيه، الأفكار حين تجتمع تصبح أقسى من هذا العالم، ينقبض قلبه حين يشذ عن حركته المنتظمة، يشعر بأن الجدران التي فرغت من العلب والفساتين وزجاجات العطر النسائية كأنها القبر الذي يحويه حيّاً.

"لبس الجميع من بضائعك يا دكاناً بنيته حجراً حجر وفي كل حجر ألف حبة عرق.. صعب أن يقتل التاجر نفسه بغبائه وبطره...".

بيع المحل بالمزاد، لم يقبض ليرة من ثمنه.

وتحت المطر الساقط كالسهام فوق ظله الممدود بأسى فوق الرصيف المبلل صار يحكي لوحده كالأبله:

-من قال إن الشوارع يشطفها ماء المطر.. الأوساخ وحدها هي التي تقرر أين تجتمع، ساخن هذا المطر...

تثاقلت الخطوات، واسترخت الركب.. استطالت أصوات أشباح في الريح وطار ورق الكينا الخريفي في حضن الريح.

زوجته الأولى مازالت مصرة على الطلاق، لن يطرق بابها، ستصرخ كما المرة السابقة وتستعيد شريط الماضي كله. خطرت له صورتها وهو يبول في الحديقة العامة.

وقف على باب الزوجة الثانية صرخ بقوة ثم بعطف وابتهال حين ردت:

-منذ عام لم نحصل على قرش واحد منك.. أولادك لا يشبعون فكيف أطعمك... اذهب قيمة الرجل أمثالك بقدر ما يملك في الجيب.

أما الثالثة وهي أصغرهن ورفيقة رحلاته خاطب فيها المشاعر:

... عزيزتي.. تذكري، الرجل لايتزوج الثالثة إلاّ لأنه يضحّي برضى الأولى والثانية وحين طالبت بورقة طلاقها، انهار على السلم باكياً ثملاً بصوت مجروح كنهيق حماره الرمادي حين كان يمرض أو يجوع. وعند الفجر أذّن المؤذن "اللّه أكبر" فانتفض ككبش قطع رأسه بسكين الشيخ فذبلت عيونه قبل الموت بقليل حين تذكّر آخر أمل له.. آخر قشة نجاة، (غازي) قريب زوجته الأولى.. مرة جاء يستجديه وهو يقطع مسافة طويلة فوق بلاط الرخام في الصالون. وكان أحمد بك يدخن سيجاراً فوق كرسيه الهزّاز متأملاً منظر القرية الأخضر والذهبي من النافذة الواسعة وشكل النهر الأزرق المنحني بشكل حرف (اللام).

لم يكن مع (غازي) المبلغ المطلوب لثمن أرض صغيرة. أخذ منه المبلغ وتبسّم له:

-يارجل نحن أقارب... مبروكة عليك أرض البربر، والحمار أيضاً.. لا تنسنا من خير الأرض.. اعتبر الباقي دين سدّده متى تشاء...

مرت على تلك الحادثة سنوات كثيرة لكنّه تذكرها وهو في المقعد الأول من الحافلة.. المتجهة إلى القرية.

(غازي) لم يعد فقيراً ربما لأن يده مغلولة إلى عنقه وله أولاد ساهموا في توسيع مساحة أرض (البربر) من الجهة الشرقية، أولاد كالثيران يشتغلون بقدر مايأكلون. واليوم عيد الأضحى، مناسبة جيدة سيضحي (غازي) بعجل أحمر ونعجتين، سيقدّره الجميع وسيجتمع في بيته خمسون شيخاً يصلّون.

أخذه (غازي) بالأحضان، جلسا تحت شجرة جوز كبيرة. انتظروا قليلاً ريثما انتهت ضجة الأولاد وهم يحملون صحوناً فارغة كي تملأ بـ(الرز واللحم).

ابتسم للحمار المربوط -حماره- وكالبقية. أحضرت له قطعة خبز ملآنة باللحم.

شرح السيد أحمد تعثّر الأحوال، تنازل قليلاً طالباً قرضاً. ضرب (غازي) فخذيه النحيلين وقام واقفاً:

-الشمس تغيب، اذهب قبل أن يفوتك موعد الحافلة.

لم يقبل غازي استضافته هذا مافهمه، دمعت عيناه بحقد: "نسيت ياغازي..؟ كنت تركض أنت وكل عائلتك ورائي لتتفرجوا على الحذاء الذي يصدر أصواتاً عجيبة.. وأنت الذي كنت كالكلب تلهث لتستنشق أكبر كمية من رائحة المسك الباريسية".

وبقوة رفع يده في الهواء وقذف في وجهه قطعة اللحمة.. غازي يغضب وأحمد يحزن يفصل بينهما صوت.



عمرها الدنيا ماكانت لرجل واحد، شيعت، تزوجت.. أنجبت قبيلة من الأولاد..

فوق الرصيف المطل على الكازينو استند إلى عمود كهرباء حاملاً سلّة ملآنة بالأقلام يتسول بطريقة تحفظ كرامته.

توقفت سيارة فخمة، أضاءت جسده الطويل المنحني.. اقترب من الرجال الثلاثة وهمس بقوة: "أقلام، أقلام.. اشتروا.. بليرة فقط..".

دخل الاثنان إلى الفندق بينما تسمّر الثالث في مكانه محاولاً أن يرى وجهه:

-صوتك مألوف.. أجل أجل.. أنت أحمد عفيف.

-القلم بليرة واحدة.

ضغط الرجل على زنديه وصرخ بوجهه:

-أنت أحمد عفيف.. ادخل لتتعشى واحكي لي قصتك.

أجاب بصعوبة هازاً رأسه بيأس

-كنت أحمد عفيف ياجوزيف..

صرخ صديقه:

-أجننت.. تتحدث مع متسول؟!

دمعت عيونه وقال:

-هات قلم... أو هات عشرة أقلام

-أريد سيجارة

-خذ.. العلبة كلّها.. والقداحة أيضاً.

-كره (أحمد) عيشته.. عذّب جسده، حكم على نفسه بالموت قهراً.. بالموت خمراً. افترش في الحديقة العامة جريدة وتمدّد فوقها وصار المطر يتكسّر فوق جسده..



¨¨¨¨








أجزاء من الثانية






أركض معهم في الشوارع، من ساحة إلى ساحة، ومن زقاق لآخر.

نضحك في جري سريع، نفقد عقولنا ونحن نلاحق الطائرة، ونرفع الكفوف في السماء لنتلقف أكياس السكر، والوريقات الصغيرة الملونة لم أكن أعرف القراءة لأني لم أدخل المدرسة إلى الآن.

يقرأها لي والدي ويبتسم دون أن أفهم كثيراً فأبتسم أنا الأخرى.

أتأمله دائماً وهو يقرأ الصحيفة أيام كان للصحيفة شخصيتها وكرامتها.

أراقب حدقته البنية في تحركها المستمر من اليمين إلى اليسار ثم الأسفل حيناً تلمع، وحيناً تنطفئ. وكنت أتساءل كل هذه المشاعر والانفعالات يمكن أن تسببها ورقة موشومة بحروف حجمها بحجم النملة؟

تزورني (سوسو) ابنة الجيران تشد إليها دميتها التي لا تفارقها أبداً تقول:

-لن تهجم إسرائيل.. يارب.. لاأريد أن أموت بالحرب قبل أن أتزوج...

أما أخي الذي صار زوجها بعد عشرين عاماً، قال:

-ألم تسمعي الأخبار؟ غداً الحرب، كسري الحصالة لنشبع حلويات قبل أن نموت. وقبل أن ينهي كلماته، كانت الليرات المغبرة على الأرض، والفخار تناثر قطعاً كبيرة وصغيرة، شبهته ببيت هدته الحرب، لأن الحرب في ذلك اليوم صارت هاجسي. انتظرت حتى المساء لم تحصل الحرب وبكيت على حصالتي الأثرية لا على النقود التي صرفناها في أكل الحلويات وعلى مدة ثلاث وجبات سببت لي إسهالاً شديداً.

حين بدأت أفك الحرف قررت أن أصنع من ظلي فتاة من سطور، أقرأ العبارات الحماسية فوق الجدران، وعلى الأعمدة الخشبية التي توصل أشرطة (الكهرباء).

(الوحدة طريق نحو التحرر)، (عاشت الوحدة بين سوريا ومصر).

(عاش فلان...) (سقط فلان..).

هجم الزمن، فصار للمدينة وجه آخر.. صبغت تلك الجمل حتى صار للحيطان لون الموت. وطعم الموت.

أما الطوابق الأولى من العمارات فتحولت إلى محلات مضيئة يطلقون عليها (سوبر ماركت) اغتصب الكبار ساحات الصغار التي كنت أركض، وأقفز وأدور وكل هذا بسبب التجارة. والسياحة من البلدان القريبة والبعيدة.

حتى في الساحات الصغيرة يتلاعبون بالخريطة...؟ لو كنت مازلت طفلة لتزعمت مسيرة صغيرة. وصرخت في وجه (أف) له ولكل من يملك ولداً في الحارة. لكنني اليوم لاأملك شيئاً أصرخ من أجله.

في المدرسة تقول معلمة اللغة الإنكليزية (زينب) وهي تخربش بحروف غريبة:

-يابنتي.. جملك كلها عن فلسطين..؟ مازلت فتية على الهموم، دعي قضيتها للكبار. عن ماذا أكتب حين أفكر أن أصبح كاتبة، عن عصفور فوق العش يغرد بفطرته.. عن طفل يبكي ويده فوق ثدي أمه الناصح بالحليب.. عن مريض واحد يتألم في سريره بين يدي الطبيب أم عن قصة حب عابثة في صدر القرن العشرين؟

وأجيب بـ (لا) لصرخة واحدة تخرج من ألف حنجرة.. لأقوام يرتجفون في ثلاجة ليوم جوع أو عطش يفطر عليها السياسيون ويسكرون على دمائهم.

فوق طاولة مكتبي ابتهلت بخمارها الحبري. بخشوعها على سجادات السطور كلمات القصيدة، لتخرج متثاقلة بحملها فوق فضاءات الصحيفة كالنمل الأسود حين يكد في حمل حبات القمح والسكر.

أتاني صوت من الهاتف، متعب وهادئ كصوت شاعر علمت منه بأن قصيدتي منشورة في الصفحة الأخيرة.

فرحت والفرح يتعب ويقلق. ودون أن أقف ساعة أمام المرآة لا أدري كيف سرت في الحارة بهذه السرعة لشراء الصحيفة من مكتبة حسن. قبل أن أنهي قطع الشارع وجدت نفسي كالعصفورة أطير في السماء. ويا اللّه كيف استطالت الثانية.

(لا.. لا يا رب.. لن تميتني الآن قبل أن آلامس حلمي الذي ينتظرني في الطرف الآخر من الشارع).ونسيت أن أصلي كما يفعل الأتقياء قبل الموت بلحظة. أن أنطق بالشهادة كما يفعل المجاهدون فوق البندقية. نسيت ادريس ويوسف، والمسيح فكرت فقط في الخطوتين، وبحسن الذي ركض كالمجنون بين العشرات.. راودني ألم الرحيل حين وقع جسدي فوق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:51 am

سيارة الأجرة، فكرت بها قبل أن أفكر بي وتساءلت: (لماذا الفقراء هم دائماً الذي يدفعون الثمن حتى في القضاء والقدر؟!).

وهذا الرجل البائس من أين له أن يدفع ثمن دمي. ومظهره يؤكد بأنه لايملك عجلة في هذه السيارة.

تدحرجت، ألملم عن مقدمتها الغبار دون أن أكسر الزجاج. وأسقط على الأرض المبللة بالمطر.

زعقت السيارة، ساد صمت عجيب توقفت العربات كلها والنسوة توقفن عن الثرثرة للحظة صار الجميع كتماثيل حجرية قبل أن يعود الضجيج بشكل مضاعف كأنه الثورة. وأقول الثورة حتى في لحظة الموت بسبب تطفلي على الكتب القديمة الراقدة تحت أغطية من غبار. للسائق لحية فضية يظهر من تحتها جلد أسمر داكن. وصرخت بقلبي ثانية:

(دعني أعيش.. دعني أيها الرب، يجب أن يكون لموتي بطولة كما اشتهيت دائماً، يجب أن أعيش ريثما يرحل الرجل في سبيله).

أهذا هو الموت؟! حركت يدي فتحركت حركت رجلي اليمنى أخذت نفساً.. كل شيء في جسدي تحرك لا قطرة دم في فمي ولا كسر وصرخت بفرح لأن صوتي قد خرج (دعوه.. دعوه.. تابع عملك..).

رد جارنا: (أنت مصابة بنزيف داخلي. لن تشعري به الآن).



وتابع آخر: (سيتكفل بتكاليف العلاج في أحسن مشفى خاص).

تابع ثالث: (انظروا الفتاة تكاد تموت... من الصفرة).

وفي يدي المرتجفة، تجمعت قصاصات ورق (اسم الرجل أبو شفيق.. منزله في حي السجن... رقم السيارة (كذا).. رقم الهاتف (كذا..)

عجنت الأوراق ببعضها وبعرقي.. ثم تابعت قطع الشارع وفي عيون أبو شفيق نظرة امتنان، وخوف وحنين...





¨¨¨¨








الزمن والصفّارة






مازال ينظر في صورتها.. يغيب في الأحلام، يركض معها فوق الجسر مقلداً الضابط الفرنسي وهو يمسك صديقته من يدها.

في الأسفل طريق مغطى بالحصى البيضاء تمتد عليه سكة القطار بشكل منحنٍ. في كل مرة يغادر فيها عزيزة، والمدينة يصفر القطار بلحن حزين فيبكي بصمت. للغرفة التي يسكنها رائحة (المكدوس) الذي حضرته أمه وحشته بالجوز والثوم.

يتمدد في سريره متأملاً النجم الوحيد في آخر السماء، ضباب العتمة يحيط بفضاء الغرفة حتى في النهار. الضوء الممدود بشريط من سقف الغرفة لا يُطفأ. كثيراً ماتمر الساعات لا يفكر بشيء، يفرغ رأسه بالغضب وبدون إرادته يذهب به الوقت إلى الوراء قليلاً فيتذكر رأس ذلك الرجل في الباص الذي فرغت نصف أشعاره على شكل دائرة في الوسط أو في الشيخ الجالس إلى جانبه والذي ازدحمت الأشعار في وجهه رجل يحظى بتقدير المحترمين وغير المحترمين. وأخيراً قبل أن ينام يشعل سيجارة يتأمل في الدخان الرمادي الخارج من فمه على شكل رذاذ والدخان الأزرق الصاعد من لسان السيجارة. حلمه الأول تحقق، صار أستاذاً في مدرسة ابتدائية. أما الحلم الثاني، بيت صغير يجمعه بعزيزة. مضت السنين وشعر عزيزة يطول ويقصر كالمد والجزر، كلما مر صيف تنتظره في نفس المكان من محطة القطار كي تقوم بالشيء ذاته. لم يعد وجهها أحمر، في السنتين الأخيرتين استخدمت أحمر الشفاه فصار دبقاً وله رائحة في حزيران. وزّمت عيناها، وارتخى نهداها حتى صارت كشجرة يابسة مهددة بالقطع، في صوت ضحكتها غلاف من المرارة لكنها مازالت إلى اليوم تقفز كحورية البحر من الصورة التي يتطلع بها لساعات إلى الحائط المقابل له لترقص حتى يتأخر الليل فتجعل من السرير جهنماً وناراً لا تنطفئ إلا بحمام فاتر. (آه ياعزيزة.. كي أستمر في حبك علي أن أضع رأسي فوق وسادة مريحة.. كل ما أريده ثمن جدار أقدمه لك في الصيف القادم...).

في النهار يصنع سعادته حين يركض مع التلاميذ في باحة المدرسة، يضحك ويصفر كثيراً بعصبية. رامي ينسحب من اللعبة بهدوء ويتسلل لوراء جدار مختبئاً عند المغاسل يمسح نظارته الطبية وينشل من زناده كتاباً صغيراً ثم يبدأ بالقراءة من النصف لحق به زميله وفسد عليه للأستاذ ظريف. اقترب من الولدين رفع كفه في وجه رامي ليصفعه لكن الصفعة لحقت بالتلميذ الآخر. ومسح رأس رامي:

(أنت ولد ذكي.. أرني الكتاب.. أوه كتاب تاريخ.. من أين حصلت عليه؟

لدى والدي الكثير.. خذه يا أستاذ.

ثم ركض تاركاً ظريف في حيرته "... لم لا يتفق اثنان من هؤلاء إلا عندما يلعبون على شكل فريق واحد... لم لا يتوحدون لإخراج فرنسا!".

بدأت يده ترتجف وهي تخفي الكتاب "ماذا لو كان الكتاب خطيراً... سأرميه.. وتحت الضوء الخافت جلس يقرأ. يفهم ولا يفهم. قلّب صفحاته حتى اشتعلت أعصابه فرماه وهو شبه نائم.

دق الباب.. ظهرت صاحبة البيت الأرملة أم كاظم تحمل له طبقاً من طعام العشاء بدت وهي تمسك الكتاب كشجرة حبق يلعب بها النسيم ليوزع عطرها في الفضاء وضع في فمه لقمة كبيرة مغمسة بالبيض المقلي، بينما المرأة تفتح الكتاب وتجلس قبالته على الكرسي تبلل شفتيها بكأس من الشاي.. الصمت بينهما لم يطل، صرخت
(الله.. الله.. ! قرأت تلك الأغنية المكتوبة في الصفحة الثانية؟ اسمع...


وصارت تردد بصوت هادئ أشعر ظريف بالسكينة:




هيّن ضرب السيف يابا هيّن عَلَيّه




ولا شوف الشعب كلّه بالعبوديه


شدّد أوتارك يا عود، وسلينا بنشيد




مجد العرب بده يعود، البعث هيك يريد



مسح فمه من الزفرة وابتسم: خذيه..

كادت المرأة تطير من الفرح، أخذته بعد جدال واضعة يدها في يده بامتنان ثم خرجت وبقيت رائحتها في الغرفة. لتلك المرأة صوت يذيب قلب من يسمعه، صوت مغلف بالحزن والألم والأمل. كلما رددت تلك الأغنية تستحضره عزيزة وفي رقصتها شيء من الانكسار والخمول. بدت صورتها تغيب عن ذاكرته شيئاً فشيئاً، وصار يغني نفس الأغنية في كل مكان، في الحمام، وحين، يحلق شعره المؤبر في وجهه. عند الظهيرة حصل انفجار، صرخ كاظم من فوق السلم ودق عليه الباب رامياً نفسه في حضن ظريف حين كانت أمه في عملها خارج المنزل.

مر دياب الدركي في الزقاق وصفر، أشار له ظريف أن يصعد. أخذ كاظم من يده وغمز بعينه (حنون أنت يا ظريف!).

رد ظريف: (حرام إنه يتيم).

ضحك: (بحياة والدك.. ألا تعطف على أمه أيضاً؟!.. أخ لو لم أكن متزوجاً. امرأة مازالت تحتفظ بجمالها حتى تكاد تفجر الصخر شذرات).

يبدأ صديقه بسرد الأحداث التي حصلت طوال الأيام السابقة ثم يقضيان وقتاً طويلاً في الصمت. يتحدث ظريف عن عزيزة حتى يشعر الآخر بنعاس شديد لا يزيله سوى الحديث عن الأرملة ويقنع نفسه بقراره:

"ليست عزيزة الأولى التي قضت حياتها بالانتظار وفاتها القطار... فالجيب لن يمتلئ والحياة صعبة. الأرملة ناضجة كلامها أمل، خطواتها واثقة إنها البديلة ولو أنك الغالية".

فتحت أم كاظم الباب وتعالى صراخها حتى سمعه ظريف.. كانت تبكي كأن مصيبة حلت بها، ولكن ماذنب الولد كي تصفعه. التقت عيناها بعينه حين تراخت على الكرسي (ماذا فعلت يا كاظم.. آه يا كاظم.. أتمزق كتاب أجدادك لتصنع طائرات من ورق.. ألا تحب أن تعيش حراً.. وإن لم تعشها اقرأ عنها...!).

الولد يبكي، ويحدق بها كالأبله، في تلك اللحظة قرر ظريف أن يتزوجها.

عزيزة منذ ساعة وهي تقف جانب السكة، تحت الجسر، تنتظره ليصبّرها كما كل صيف، ضحكت وطارت خصلات شعرها الفضي، صفر القطار.. توقف.. لم تر من بين العشرات أي أحد وظريف وقف بسيارته فوق الجسر ندت من عينيه دمعتان، وساد صمت الاحتراق.



¨¨¨¨








صرخة رجل عازب






الخير كثير، رحل لأأبو وديع بعد تعب، أرض واسعة عريضة على مد النظر، رجل دون إرادته رحل وطعم شراب البرتقال يبلل آخر ما استقر من لعاب، كتب وصية ونُفذت، جنازةٌ أثارت دهشة أهل القرية والقرى المجاورة الممدودة على الساحل، وُضع في تابوت وأخرجت يداه بشكل مفتوح خارج الصندوق الطويل. الشخص الذي تحدّث وهو صامت بحركة كفيه... بكته زوجته ومازالت تتنهد وتقول:
(لا تفهم الحياة إلا في موعد فراقها).


جميع شباب القرية ينظرون إلى سطوح بيتهم بحسرة، صحن كبير أبيض يلتقط كلّ المحطات، في الداخل يتمدد وديع بنشوة، يحملق في الصور الخليعة؛ (أجل، ما أخذ والدي معه لاشيء لم التعب، الرزق كثير، والمال وفير.....).



أخته في الغرفة المجاورة تتمدد متضجرة، كيف رحل أبوها وكيف صار أخوها، سهر طويل وعربدة، شعوره باللامبالاة، كان يجالسها ويحدثها عن التطور، فالحياة تمضي بسرعة. وهي تصغي من وراء الستار إلى أحاديث صديقه عن المدينة والحب والمطاعم الفخمة على الشاطئ، والبنات المثيرات. تسمع مقتطفات من الكلام وهي تقدم الشاي، جالسة على الكرسي بأمر من أخيها:

-(أنت كأختي، واللّهِ)، جملة كانت تبريراً لأحاديث طويلة.

مضت سنتان، وتلك هي الثالثة.. كرهت المدرسة والشهادة والساعات الخصوصية، حتى جلست عاجزة عن التفوق والنجاح. تفكر بالرجل النموذجي الذي تعبق منه رائحة العطر الثقيلة- ابن المدينة- ببذته وربطة عنقه واحترامه للبنت بتصرفات وكلمات مثيرة...

الأيام الزائلة لم تغير من طبع وديع، شباب يعملون لديه بالأجرة، يرضيهم بتكريمهم ويرضونه بالجهد الرزق يزداد عاماً بعد عام، وهو أمام المال وإسرافه صار هاجسه الوحيد صيد النساء، بالحب بالكذب، بالمال، لا فرق كلّه موجود فيه، ورث عن أبيه المال والرزق وورث عن أمه الجمال إنه قادر بنظرة من عينيه الزرقاوين أن يوقع أشرف النساء، وقادر بغمزة من سيارته أن يوقع بأغنى النساء.

كالعادة ساعة أو أكثر من ترتيب هندامه، الأرض سخنت بعد أن ثبتت الشمس فوق ساحة البيت بشكل عمودي، معلنة لديه بداية يوم جديد في الثانية عشرة ظهراً.

أخذ من المال ما يملأ محفظته، واختفى مع سيارته، متجهاً نحو المدينة حيث مكانه المفضل الساخن ومن خلف الزجاج ينقر المطر، ويهدر الهواء يلاعب الموج الرمادي. مشهد البحر والسفن لم يستهوهِ في تلك اللحظة التي يرمق بها تلك الفتاة بنظراته. نسيت كأس الشاي وهي تنقِّل ناظرها ما بين ساعة يدها والباب الواسع للمطعم. شكلها الآن يوحي له بأنها تجهّز نفسها للمغادرة اقترب منها بتأدب واستأذن منها أن يجلس، أسعدها ذلك ووافقت كمن تتحدى شخصاً آخر لم يأتِ. أشعل لها سيجارة من النوع الأمريكي المستورد، حدّثها كأنه يعرفها من سنين، إنها طريقته في زرع الطمأنينة في قلوبهن، يجد لذة في الثرثرة الكاذبة المخالفة لآرائه الحقيقية، يتحدث كثيراً عن الفروقات بين المرأة العربية والغربية، ويردّد كثيراً أسماء الكتاب العظام الذين يحفظ لهم بعض مقولاتهم في فلسفة الحب وفلسفة الحياة، لكنه لم يتحدث يوماً عن شجر الليمون، والأرض أو أي خبر عن القرية أو الطقس...

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:53 am

ينفذ ما يراه في الليل، تحت ضوء النهار، على شاطئ البحر وتحت الصخرة الكبيرة... صار وحشاً من داخله ينقل مشاعره الكاذبة باسم الحب ليصل إلى غايته الأخيرة، واضعاً في قلب كل فتاة كهفاً أسود لا يخبئ سوى خفاش أسود يقلق سكون لياليهن.

الأضواء اختفت من الدار.. صوت كلاب تنبح ونقيق ضفادع بعيدة، وهج الشاشة يلّون وجهه في العتمة، ولون برتقالي يخرج من المدفأة المتأججة بنار تهمس وتحشرج، المطر في الخارج لم يتوقف، يطرق على النافذة بقوة، يغسل الوريقات الخضراء، كم هو متفائل، الشجر يحمل الثّمر والزهر الأبيض في وقت واحد...

بللت الصناديق من برك الماء كي يزداد وزنها بالليمون والبرتقال كي ترسل إلى حلب بالشاحنات... يوم شاق انتهى بتنهيدة عميقة من أمه التي قعدت متأملة ابنها مطولاً، أتجادله بموضوع زواجه، حديث تجادلا فيه عشرات المرات حتى كرهت أن تعيده.

صبّ كأس شاي ونظر إلى ساعته ثم صرخ لأخته فلم تجب:

-أختي تنام باكراً، كالدجاجات... أحوالها لا تعجبني كثيراً...



ولاحقت نظراته منظر أمه وهي تمشي نحو غرفتها صاعدة الدرجات بتثاقل: "أريد زوجة مثلها تماماً، عيون عسلية صغيرة لكن فيها ألف معنى، ووجه مستدير كقرص الشمس، خجولة، صبور، لا تشتكي ولا تتذمر، تنفذ ولا تعترض، حجاب برتقالي مذهب حول وجهها لتبدو كوردة عباد الشمس التي أحب، تنحني لي عند الفجر لتنهض عند الغروب"...

رنَّ جرس الهاتف، في البداية تكلم ببرود، ثم همس بكلمتين، وهرع إلى سيارته.. "ذاك النادل يستحق مكافأة، علي أن أكافئه بمبلغ محرز... كأنه يفهم صنف النساء الذي أحب، لم يصدمني يوماً بوجه قبيح أو بجسد يمتص العظم جلده".

دخل من الباب الواسع، مصّ السيجارة بشدة، تقدّم من النادل برزمة من النقود:

-خذها... أنت تستحقها.. دلّني عليها... أسرع...

همس له بأنّ فتاة اليوم مثيرة ومميزة، سهلة بمعاملتها، تأتي دائماً مع رفيقتها الشقراء ثم تخرجان مع أحدهم، (وصنف الرجال الذي ترغبه تلك الفتاة متحقق فيك، يا سيد وديع)، وأشار له بعينيه نحوها.

تراخت أعصابه، انفرجت أصابعه، تطايرت الأوراق النقدية بهدوء على الأرض، اختفى المشهد لثوانٍ ثم توضّح ثانية، صار يسعل بقوة حتى جحظت عيناه. تقدّم ماسكاً بالنادل نحو الطاولة، التقت عيناه بعينيها، لم تمضِ ثوان حتى اختفت الأخت وأخوها وسط حلقة من الأجساد البشرية.

اختفى صوت الموج وصوت المطر وسط الصخب والضجة، أبعدوه عنها وهو يصرخ ويبكي دموع لم يذرفها في حياته كلها...

والأم تنتظر وقد شارف المساء على القدوم.. المطر يغسل الورق ويُسقط البَرَد زهر الليمون يقبره في الوحل الداكن.. الأم قلقة والمطر، المطر غزير، فهل يبشِّر بالخير؟‍‍‌‌!

¨¨¨¨








عندما يصبح الشيطان رجلاً






الشارع مزدحم بالناس يمشون بشكل عشوائي، و"نغم" كذلك تمشي محتضنة علبة ملفوفة بورق فضّي وشريطة يتماوج فيها لون أصفر وبرتقالي كلون الغروب الذي يحبّه، الدمعة على رصيف جفنها تمشي أيضاً جيئة وذهاباً كما يمشي ذلك الشرطي الأسود القصير، الدنيا تظهر أمامها كأنها مغموسة في زيت أصفر وهي تقف متأملّة في الهدية تحت موقف الباص الفارغ...

ماذا ستفل بطقم المكتب هذا... (أوراق ملوّنة، قلمٌ وكتاب سياسي من النوع الذي يبحث عنه). نصف ساعة أخرى كافية للانتظار...

وتحرك الشيطان في الشارع، هنا لعبته حيث الساعون.. الذاهبون والعائدون تركض عيونهم وراء السيقان الملفوفة بجوارب النايلون الشفّافة، إنه الشارع الأكثر ازدحاماً في البلدة، شخص واحد جعلها تزيد من سرعة خطواتها- إنه مازن- دخلت في زقاق ضيق فيه محلات قليلة.. دخلت في أول محل لألعاب الأطفال جعلها تشعر بالراحة والهدوء وتنهدت تنهيدة لم تخرج كلّها من صدرها حتى رأت شيئاً طويلاً كالظل الأسود يقف بجانبها.. أشار لها بيده إلى سلة في الواجهة تحمل كلاباً بيضاء من القطن وقال بصوت مبحوح سمعته من قبل سنين (كلاب جميلة) ولاحقت الإصبع بعينيها حتى وصلت إلى وجهه: شفتان مفتوحتان، وجه نحيل متجهّم، عينان كأنهما حفرتان في قلب صحراء متماوجة الرمال. بماذا يذكّرها هذا الوجه؟... (يذكرني بأوصاف الأشرار الذين قرأت عنهم في صغري). ودون أن ترد عليه تابعت مشيها السريع وصار يطاردها حتى جذب يدها وأوقفها (سلّمي يا فتاة.. الله شاء لنا هذه المصادفة، تصوّري.. اليوم كنت سأسافر) ابتلعت لعابها الأخير وتحولّت الصورة من لون أصفر إلى رمادي.. أرادت أن تبكي بقوة نظرت إلى صورتها في الزجاج، شَعْراً قضت الليل كلّه في جعله مسدولاً كالحرير... واللبن الذي وضعته منذ الصباح برائحته الكريهة، وفستانها الأحمر ورائحة عطر القرنفل، وأهم من هذا كلّه الهدية التي جمّعت ثمنها خلال عام كامل.. كلُّ هذا ذهب هباءً، كانت تفضل أن تكون في تلك اللحظة التي يرمقها بها مازن بشهوة، قبيحةً كجنية تفوح منها رائحة السم القاتل لا مجال للهرب الآن، سينتهي كل شيء بسلام ووئام، مضت أعوام وعدها مازن بالرجوع ومعه ثمن البيت الذي سيجمعهما إلى الأبد كانت وقتها صغيرة إلى حد ما، إنه طيش الدراسة الثانوية ولعبة أولاد الجيران، الشاب المستأجر. شبّاكٌ مقابل الشبّاك.

إنه الشخص الأول الذي طرق أوردتها وأيقظ بها الشعور الآخر، (حسناً) قالت بعد أن أحست بغضب عارم قد ملأ صدره.

المقصف هادئ، موسيقا هادئة رومانسية، كراسٍ كلّها فارغة لم تملأ بعد فالوقت صباحٌ والمطر بدأ يكركر الغيوم، لم يكن شكله أليفاً بل يبعث على القلق حتّى على الرجال ها هو صاحب المحل يغض بصره عنه اشمئزازاً.

نظر مازن ببلاهة إليها دون أن يفهم أية كلمة مما قالت وسألها:

-لِمَ تأتيني النساء إلى غرفتي متوسلات؟!. فأجابت بسرعة وعصبية: لأنك طيب وكريم. حينها ابتسم (عملت بنصيحتك يا عزيزتي، هل أطرد امرأة أرملة فقيرة لها طفلة مريضة وطفل كسيح؟! أم هل أقفل بابي في وجه جميلة تغريني في عز الشتاء والبرد هاربة من أهلها... أنا أعطيتهن الكثير، هن وغيرهن، ولم آخذ إلا القليل.

-لكنّ نواياك لم تكن للخير، بل لسد جوع الشهوة الشيطانية، المرأة الأرملة ليست إلاّ شاذة مثلك، لم لا تعمل مسّاحة أو عاملة في المطاعم.. أنت كاذب وبالنسبة للمراهقة لو كان عندك ذرة من الخير لأرشدتها إلى الصواب، واللّه أعلم ما فعلت بها.؟

وقفت نغم ومدّت يدها مبتسمة بفمها فقط (أودعك بسلام..). بادلها الابتسامة وقال بسخرية:

-فراق أبدي بأقل من قبلة لا يجوز.

فهمست له:

-ساقط.

حملت حقيبتها بعصبية، لم تنتبه بأن المقصف قد ازدحم بالهياكل البشرية، ينظرون إليها بتطفل وكأنهم سمعوا كل مادار بينهما من أحاديث.

مشت في الطريق الصاعد، الحجر في كل مكان والآليات بصوتها المزعج الذي أخفى صوت لهاثها وحشرجة نفسها، قطعت الشارع دون نظر أو انتباه للسيارات الجائعة لدهس أحدهم لكن مازن كان كالشبح، فلم تكد تصل إلى شارع فارغ حتى رأته بجانبها وصارت تفكر بحيلة للخلاص. وهو يصيح بعصبية (اتبعيني يا بنت ولا تتحامقي). كان يمشي على الرصيف بينما هي في الشارع المليء بالسيارات وراءه. أومأت لسيارة أجرة بكل هدوء وضحكة قوية في صمتها ظهرت في عينيها وهي ترقبه يبحث عنها باستغراب وتساؤل.

أحس مازن بأن الأرض قد ابتلعته ثم بصقته مع كتلة من التراب، كاد ينفجر غيظاً. لقد أهانته كثيراً أيرتكب جريمة صغيرة يقضي بعدها لياليه في السجن. هاقد أفلس تماماً، حتى الأصدقاء تخلوا عنه لم يديّنوه قرشاً واحداً في حاجته ومرضه، وهاهي نغم أمله في استمرارية الحياة، نغم مصدر قوته للقضاء على اليأس والفقر، كم خففت عنه، وكم غيّرت من طباعه القاسية الناشئة عن تربية وبيئة فاسدة. لم تسامحه كالسابق، وعملت من الحبّة قبة. أمسك بالعلبة الفضية المنسية على الكرسي وفتحها بعيونه قبل أن يمزقها بيديه ليرى ما تحتويه، أهم شيء فيها تلك الورقة على السطح، فتحها بسرعة وصار يقرأ بصوت مسموع:

"عزيزي:

هناك شيء واحد أذكره فتعلو جسدي برودة في عز الصيف.. رنين ضحكاتنا، صرخة قلبين للانضمام إلى شيء ما...

وهناك شيء واحد يمكن أن أنساه فتعلو جسدي حرارة في قلب الشتاء.. نحيب قلبي قصة حب. ودمعة تسقط في كفك الطاهرة العفيفة.

اهتف لي.. فأنا رَغْمَ مدِّي وجذري.. تهدأ موجاتي في لحظة صمت نجلسها معاً.

قال كلاماً لا أهمية له ينبعث من شفتين رخوتين، يتغزّل بعينيها وشفتيها وبكل شيء وهي جالسة كالصنم تنظر إلى اللوحة خلف ظهره (ألوان مريحة: برتقالي فاتح وأسود وسماوي تلوّن البحر وتخفي ملامح العاشقين الأسودين.. يدها في يده وورده).

لم تسمع كلمة واحدة مما قال كانت تفكر بالقدر الذي يلعب بشخصيات الحياة كمسرحية أبطالها دمىً وإلهها الكاتب يتحكم بمصائرها كما يشاء وفكرت "نغم" وهي تبتلع دموعها بقوة (لِمَ تغيَّر هذا اليوم مائة وثمانين درجةً كما يقال، آخر من أتمنى أن أراه هو أنت؟!.) وفارت دموعها متبعثرة على الطاولة حتى غسلت جفونها وصار اسودادُ الجفن إلى احمرار. أمسك منديلاً ومسح وجهها، لكنها أمسكت بيده بقسوة وأخفضتها.

(كم صرتِ قاسية يا نغم).. ولم تلق حجة سوى أن تقول:

-تأتيني بعد غياب طويل خاليَ اليدين لا تملك ثمن هذا العصير.. انظر إلى نفسك، كلك أخطاء وفوق هذا إصبع مقصوصة.. لاتقل لي من العمل في المطعم فأنا رغم صغر بؤبؤك أعرف ما يضمر قلبك.

قاطعها مازن متصنّعاً غصة في صوته:

-تهجَّم عليَّ أحد الشبان المدعومين، أردت أن أقطعّه بالسكين التي كانت على طاولته ولكني كما تعرفين بارد الأعصاب، حسبتُها جيداً، أنا وحيد مقطوع من شجرة فما مصيري إن صرت في السجن وطردت من العمل، ما كان مني بعد هذا إلاّ أن أقطع إصبعي في محاولة للانتحار. وسال الدم كالشلاّل. وخلع من جيبه علبة تبغ فيها حبوب من الدواء بعد أن انتهى من حديثه. نظرت نغم في وجهه نظرة تساؤل غير مصدقة كلمة مما قال فهو مشاكس شرير حاولت أن تغيّره فلم تفلح، أنهت تعليمها في معهد الفنون وصارت مدّرسة محبوبة وملتزمة.

-هناك مشكلة يا نغم سأنهيها وأتفرغ لك.

تجادلا طويلاً حول تلك المشكلة حتى شعرت نغم بعصبية ظاهرة، جهزّت نفسها لتدعه على الطاولة الصغيرة يلفُّه الدُخان من لفافة تبغه، من النوع الرخيص.

-يا رجل، ليتك كنت شيطاناً لكنك أكثر منه قساوة، فالشيطان عندما نحبّه يقدم لنا السعادة المحرّمة، وأنا أحببتك فلم أجد لا سعادة محلّلة ولا محرّمة، ارحمني دعني وشأني.

ضرب بقبضته على الطاولة. وصار يشرح لها باستعطاف كيف أتته تلك البنت الصغيرة هاربة من أهلها وما كان منه إلا أن سفرّها معه إلى اللاذقية لمدة شهر كامل. ثم فجأة شعت من عينه تلك النظرة الشريرة
(الجميع يخافني ويرفضني، حتى أهلك رفضوني، مجتمع لا مكان فيه للعواطف). حينها قاطعته نغم:


-وكيف نعيد ماكان؟ الثلج يطفئ حر الصيف..

ثم استأنف بسخرية (الحب؟!) وضحكت لكن الدموع كذّبت تلك الضحكة المصطنعة.

-معكِ حق الوردة لا تتسع لأكثر من نحلة، والرحم يحمل طفلاً واحداً أكثر الأحيان.

-أنت لم تحبني أبداً. أقسم. هاقد ضاع كل شيء، سنين تقتل المشاعر لأن للفراق عمراً يبرّد المشاعر الزائفة.

قل لي بربك: كم مرة قلنا: هذا آخر فنجان قهوة نحتسيه معاً وتلك آخر كأس عصير؟ ابتلع الكلمات الأخيرة، غصة أسكتته. عثكل الورقة ورماها بقوة على الأرض (أين هي الخائنة؟).









سليمان وسعدى






شعرت بنشوة وأنا أرقب عصافير الدوري في الساحة الواسعة تحت الشرفة في ذاك الصباح البارد قبل طلوع الشمس من خلف البناء المقابل.

رجعت في الزمن خمسة عشر عاماً حين كنت في العاشرة أركب حمار خالتي شفيقة الأسود أمثل دور فارسة عربية لأن الحمار كان كبيراً نسبة إلى صغري وقصر قامتي. كان لي وجه أحسد عليه حتى إن النسوة يرددن "يخزي العين.. وجه كرغيف الخبز" وتلمست في تلك اللحظة وجهي الذي صيرته السنين ككمشة من رمل الصحراء وصلت بيت سعدى الصغيرة، سعدى القوية تركض خلف دجاجاتها تضمهن في حضنها وتطعمهن في يدها واحدة إثر الأخرى كأنهن اعتدن على الطاعة والنظام.



سعدى تجمع البيض في السلال كأحجار كريمة فالبيض رزقها الوحيد الذي يبقيها في عناد الحياة هي وأخوها سليمان الذي يشحذ أحياناً بتأدب كأن يقرأ الفنجان والكف فيأخذ بضعاً من الليرات أو يدعو بعض الدعاء. أعطتني بيضة واحدة، ثم شرحت لي عدد الأكلات التي يدخل فيها البيض حتى أحسست فعلاً أنني أحمل جوهرة. فكرت أن آخذ كتكوتاً فالكتكوت يعطي مائة بيضة. أمسكت واحدة بقبضة يدي حينها غاب العالم كله عن نظري حين أوقعتني أمه الدجاجة في منخفض مليء بالحجارة المدببة وصارت تركلني بقدميها فوق صدري ووجهي وتصفعني بجناحيها، جناحين بقوة الموج حين يثور على الرمل.

جاء سليمان من الجبل المرقع بالصخور هناك يجتمع أهالي القرى بطبخون اللحم والرز أمام المقام.

لم يسكت ألمي إلا ثورة القطط التي ظهرت فجأة... من فوق أغصان الشجر من وراء الصخور... من النوافذ... نظر إليها بعيون ذابلة صغيرة كحبتي حمص لم يكترث لوجودي دس يده في جيب سرواله الواسع وأخرج قطعاً من البطاطا المسلوقة واللحمة، أطعمها بيده كما فعلت سعدى.. القطة الكبيرة لحست يده حتى نظفت من الزفرة وهو بدوره أكمل اللحس حقاً لم أقشع في حياتي قططاً سمينة بهذا الحجم كأنها نمور في قوتها...
(عائلة مدهشة).


سألت سليمان إذا كانت إحدى هذه القطط على وحشيتها قد أكلت إحدى الدجاجات على جوعها حينها صرخ بي بصوت مرتجف فيه حدة وعصبية (ليست متوحشة) وأدمعت عيناه (هي أرحم من البشر أيتها الصغيرة. هي لا تأكلها بل تحميها من اللصوص والذئاب).الكل يظن أن سليمان وسعدى بائسان لأنهما لم يتزوجا أو يرزقا بأولاد. سليمان يشحذ ليستمر في الحياة.. لكن القدر أقوى من الاستمرار... لقد مات سليمان حين انحنى ظهره وصار رأسه قريباً جداً من الأرض حتى صار يتكئ على عصاً رفيعة لكنها قوية تسند جسده الخفيف. بقدر ماكان ظهره قريباً من الأرض كان دعاؤه قريباً من السماء. القرويون قالوا جميعاً "اللّه يرحمه... ارتاح سليمان وتعذبت عشرات القطط من بعده وقبل أن تتشرد في الأحراش اجتمعت كلها في ساحة القرية وصارت تنوء وتبكي حتى حاربوها بالحجارة الصغيرة... لم يبق في القرية قط واحد يعتني به إنهم مكتفون بإطعام الدجاج والبط والأبقار تلك الذكرى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:57 am

جعلتني في تلك القرية أمليت عيوني بمنظر الطريق، غرفة سعدى لم تتغير الحجارة كما هي بيضاء كبيض الدجاجات... أكيد صار لفراخها أحفاد فكرت بذلك وأنا أمشي صوت خرير (العين) يُسمع، يصل إلى غرفة سعدى، غرفة عتيقة واسعة، نوافذها من حديد، لايرى منها لكثرة العشب البري، وشتلات الديس العملاقة.

شعرت بوجع في نفسي حين رأيت سعدى وقد أهلكها الدهر فوق سرير قديم من موديل أيامنا هذه له أربعة أعمدة طويلة. فوق الغطاء الذي تجلس فوقه حبات من البصل الجاف وصحون من الألمنيوم، راديو وسخ قديم وأشياء لم أعرف ماهي.

صرخت عندما وقفت في الباب (ضيوف في غرفتي أشم رائحة عطر نسائية.. من بالباب تفضلي) وخبطت على السرير مشيرة لي كي أجلس قربها كأن الغطاء لم يغسل منذ أعوام طويلة، كرسي واحد في الغرفة لكنه غير صالح للجلوس عليه لأنه بلا قاعدة.

لم يكن أمامي سوى القعود عليه شاعرة بنوبة قريبة من الإقياء لم أتوقع من القدر أن يكون قاسياً لدرجة أن يجعل من سعدى امرأة ذابلة لحد اليباس، مقعدة وعمياء تأكل البكتريا عينيها العسليتين فستانها مفتوح يظهر منه ثديان متباعدان مهترئان.

تحسست يدي ببله فوقعت يدها على أساوري. قالت بغصّة: (كنت كالملكة يا حسرة على شبابي).

أدهشتني قصتها حين سردتها أيمكن أن يكون لتلك المرأة الجبلية أن تسافر من حلب إلى لبنان يوم كانت صبيّة فقط لتجعل من شعرها المسترسل شعراً مجعداً؟‍! قالت إن الحياة جميلة وأنها لا تريد أن تموت الآن مع أن أولاد أختها يكرهون خدمتها ولو مرة في الشهر. (اللّه لا يقطع بأحد.. يشهد اللّه وحق هذا المقام الكبير أني لم أشحذ يوماً لكني في يوماً جلست بجانب غجرية أحدثها وتحدثني ضحكنا كثيراً، فجأة وجدت نفسي في سيارة عسكرية وضعت بعدها في (الكركون) بكيت كنت أجمل عيون سحرت ذاك الشرطي الأسمر الذي ساعدني -وضحكت حينها فبانت لثتها السوداء وثلاث أسنان واحدة في الأعلى واثنتين في الأسفل- الجمارك على الحدود يسموني ذات العيون العسلية. أحبني ذالك الشرطي جلب لي رغيفاً كاملاً من الخبز وصحن حمص مع فحل من البصل، واتصل بأختي كي تأتي من سورية لمساعدتي فلم تفعل. صحيحاً كنت غسّالة وأفضل غسّالة في صيدا لكني دللت نفسي، لبست الذهب، واقتنيت الجوخ والحرير والجلد وأحمر الشفاه. عملت عند باشا، وعند أرملة مقعدة سنوات وفي بيروت عرفت الحياة رقصت.. شربت، ودخنت الدخان الأمريكي).

في تلك اللحظة أخذت لها صورة فصرخت:

-لمعت الدنيا لكأننا في حزيران.

-إنها صورة للذكرى يا جدتي.

-جدتك؟!

-آسفة... يا خالة.. كم عمرك ياخالة؟

-سبعون، ستون، خمسون اللّه أعلم.. لم يسجلوني على عمري.

والعجيب أنها تحب الدجاج من الطفولة. حدثتني عن صورة مع دجاجات في حظيرة الباشا.

لم يبق من الدجاجات ولا واحدة، أكلتها الضباع كلها. بعد هجرة القطط تجرأت الوحوش الصغيرة، وصارت تقترب من الباب وتنظر. ضحكت سعدى بمرارة (لو كان لحمي طرياً لأكلتني أيضاً).

مرة تأخر سليمان على غير العادة، فسهرت مع قططه حتى الثامنة مساءً، وحين سمعت صوت ركلات على الحصى، ظنته الثعلب، أمسكت بحجر وزمجرت القطط.

-أجيت ياخيي سليمان.. تعوّقت.

-أنا سليمان بذاتو.

ثم أخرج من جيوبه الطعام كالعادة. كان جائعاً وهو يرقب العائلة كلها وهي تنهي الطعام ليلحس ماتبقى من الزفرة على أصابعه. قبل أن يموت طلب أن يرى (رضيوان) صديقه وحقق اللّه حلمه.

تأوهت سعدى: (آخ... الأرض تضجر من تحتي.. تمضي أيام لا أكلم فيها أحداً سوى هذا القط الجاثم.. لم يبق إلاّنا من كل تلك العائلة، إنه من رائحة سليمان، آخ تيبّست أقدامي من القعود الطويل، كنت كالثور أحمل شوالات الحنطة.. كالرجال تماماً، فساتيني معلقة من سنين لم تتحرك من مكانها، لم تلبس ولم تغسل.

حملت حقيبتي ورجعت، حتى الحمار الأسود مات، مات سليمان ومات من بعده جيش من القطط وقبيلة من الدجاجات.

قبر سليمان صغير تحت ظل شجرة خرنوب أزرة، جذعاها ضخمان كأخوين يتقاطعان على شكل حرف الطاء أحدهما أخضر والآخر يابس فاستحضرني قول شاعر وأنا أسير مبتعدة لا أرى بسبب اختلاط الكحل بدمعي سوى جنازة أخرى تشيع فوق جثمان طفولتي:



أكل التراب محاسني فنسيتكم




وحجبت عن أهلي وأترابي


عليكم مني السلام تقطعّت




مني ومنكم خلّة الأحباب

¨¨¨¨








حسن وكاتارينا






خرج صوت من المطبخ، حان الوقت للفطور، صاروا في حلقة حول طاولة السفرة يزن يبتلع الطعام كسائل لا يحتاج إلى هضم، الأم منشغلة بإملاء صحنه كلما فرغ، أشعل الأب سيجارة، حدّق بملامح يزن (عيونه الغامقة، عرض أكتافه، اللحية والشارب الأسود المتصل بها عند التقاء الشفتين) أخيراً وضع ملعقته جانباً بعد جهد من المضغ والبلع. قال الأب بعد شرود: (ذكرتني بجدك... اللّه يرحمه، كان مثلك يحب الأكل).. وأعاد عليهم الحكاية كل سنة ويحكيها بفخر ونشوة كمناسبة وطنية. وهو يستحق، سجّل فوق السنة ذابت في التراب حكاية بطولة يبدأ بسردها بعد مقدمة فلسفية.

قرية أفلست أرضها، قلّ القمح، والسكر، وصودر الطحين والجوع كافر. لكن ممارسة الكفر مكبوحة. وكيف يجد اللص مايلصّه. حتى الثرثرة عن تلك وذاك بطلت لتوفير أكبر قدر من الحريرات. يبحثون في كل زاوية عن شيء يأكلونه من خشاش الأرض.

وحسن لم يشبع ولو مرة من كمشة الحنطة حصته اليومية التي يأكلها مسلوقة مع رشة من الملح. ليقضمها بشره. يقضي وقتاً يفتش بين الأعشاب البرية الرطبة عن الهندباء، والبقلة، مع رغيف خبز أسمر من الشعير.

صالحه القدر حين أعجب بقوته القائد الألماني المشرف على تدريب الجيش الأنكشاري انتشله من بين صفوف العسكر الراحلين صوب أرض باردة يدفنون بها مغسولين بدمائهم، حرب نتائجها كلها واحدة. حين وقف جانب الضابط أحس بالحزن والفرح. انتابه القلق أيضاً أمام هدير الأحذية العسكرية فوق الطريق. أصوات تختفي يغلفها غبار كالضباب ودع شباب الضيعة واحداً واحداً بنظرات حنين. أصبح حارساً كالكلب المربوط على باب القائد في داره المشرف على السهول والبيوت المتواضعة، كان يفكر بذلك اليباس الذي يلمع كالذهب من البعيد حين تشتعل فوقه الشمس.

و (كاتارينا) الكلمة الوحيدة التي حفظها من اللغة الألمانية (كاتارينا) كلامها الغريب فيه موسيقا، شعر أصفر غاف على ظهرها، هي كالشمس من يقترب منها يشتعل، ومن يحدق بها ينطفئ صرخ قلب حسن من الضربة الأولى.. أحبها كطفل يشتهي القمر تستدعيه أحياناً ليسليها في غربتها، في حياة لم تعتد عليها... حتى صار كظلها حين تخطو وحين تجلس على طاولة الطعام وجهه يحمر من الغيظ وهو يرقبها تأكل من كل صحن لقمة ثم تأتي الخادمة لترمي الباقي في الزبالة.

بدأت الحدود الرسمية تزول مع الأيام وهذا ماشجعه لأن يصارحها.

-أليس لكم ديانة يا سيدتي؟

-طبعاً... حسن.

-ودينكم يسمح برمي نعمة من اللّه في الزبالة؟

-لكنها فضالة... أنت ... تأكل فضالة.

خجل حسن أن يخرج من صدره ضحكة صاخبة من ضحكاته المعتادة. فصمتت الزوجة مدركة قصده، وبدأت تدعوه أن يأكل معها، ترقبه بلذة ودهشة وهو ينهي الصحون لا يترك فيها لحسة واحدة.. وتقز نفسها حين يمسح فمه من الزفرة بطرف كمه أول مايجلس على الطعام يتصرف بلباقة، يمضغ بهدوء وبفم مغلق وما أن تمسح ثغرها بالمنديل حتى يصبح بلعومه آلة للبلع السريع. حركاته يبالغ فيها ليحظى بضحكتها ورضاها يجعل نفسه جزءاً مسلياً من وقتها كالدّخان كالنبيذ، كآلة البيانو.

كالعادة.. أكل حتى أهلكها من الضحك كان يمسح فمه وشاربيه حين وقع نظره على شيء لم يره في حياته كلها بدا جسدها واضحاً من تحت الروب الأحمر وضوح السمك السابح في حوض الماء شعر بأن الكرة الأرضية لعبة في كف طفل عابث.

طلب منها وهي مبللة بالعرق أن تحضر غطاء السرير فعلت ذلك بدهشة، ثم أمرها أن تضعه على رأسها حتى يصل إلى أسفلها وتفتح رجليها وهي واقفة. قرأ الفاتحة وخر على البلاط بطوله وعرضه.

-والآن ياسيدتي مرّي فوقي بثلاث خطوات إلى الأمام ابدئي برجلك اليمنى فعلت ذلك ظانة أنه يلاعبها ثم توقف ونفخ متنهداً كأن بركاناً خرج من صدره.

أنت الآن أمي إنشاء اللّه.

أمسكت خصرها، استغاثت من ألم الضحك، مسحت دموعها الزرقاء وحسن يتأمل جمالها لأول مرة حتى وصل صوتها إلى آخر الممر حيث زوجها يرنو بخطوات عسكرية فأطرق. فكر أنها نهايته (كاتارينا) لم تذعر ولم تكترث لضحكها مع رجل آخر غير زوجها بدا الضابط مثلها لم يظهر عليه الغضب ابتسم وأشار له بحركة من يده أن يتابع مهمته في الحراسة.

يقول جدكم:

(في البرد وجانب البيت الكبير بدأت قدمايا ترتجفان كقصبتين في ليلة عاصفة. غطاء السرير في الصالون (وكاتارينا) شبه عارية سيقتلها أم سيقتلني بل سيجعل مني طعاماً لكلابه عليّ الهرب الموت بطريقتي أرحم....).

وقبل أن يفعل سمع صوت ضحكتين ومن النافذة العريضة أشار إليه أن يدخل. ضغط على كتفه بقوة محببة وشده إلى الصالون.

-أصيل ياحسن.. لم يقولون أنكم تخونون؟

(كاتارينا) تحضن زوجها أمام نظره وتقول:

أنا أم حسن الكبير...

وعلى فراش الموت نسي حسن الجوع والجهل والبرد والألم لكنه لم ينسى كلام الضابط الذي دخل في قلبه وخرج مع روحه.

لم يقولون أنكم تخونون لم يقولون بأن.... بأ.... نك.... بأنكم... تخـ.... تخـ....).



¨¨¨¨








حصاد السنين






المحطة تضجّ بالمسافرين. لم أتذكره، أشك بأن التقينا يوماً. شاءت المصادفة أن نجلس معاً في مقعدين ملتصقين، أحسست بأن الطريق يسحب من تحتنا حتى يقصر. وكنت حائرة كيف تنحني الأرض وتمتد السماء في الارتفاع، كلنا نسير في درب لا نرى فيه أرضاً أو سماء، نسقط في حفره واحدنا تلو الآخر ومن يكمل دربه تعميه سهام الشمس.

الكتب الكثيرة التي قرأتها جعلتني في عماء، غير فاهمة للذي أريد فهمه إلى أن قابلت (سام) توقف الباص، جلسنا في الاستراحة، رشفت كأساً من الشاي الساخن وحدي، وهو أيضاً جلس وحده يداعب بيديه الناعمتين فنجان القهوة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:58 am



في النصف الآخر من الرحلة شدتني عيناه الشاردتان. عينان حادتان كحبتي لؤلؤ مغمستين بمساء الشتاء.

رجل أتقن فن الحياة، عرف كيف يعيش من أجل البقاء الأفضل. رجع إلى الوطن شيء ما شده إليه كما يشد غصناً أخضر إلى جذعه. رجع ليكمل طريق النهاية نحو بداية نهاية أخرى حين نطلب العيش بسلام علينا أن نتلون بلون الحياة كالحرباء... الإقامة الطويلة في الغربة، فرضت عليه أفكاراً جديدة خلعها كلها حين صار في الشام.

آمن بالأرض وكفر بالسماء، أرجعه الحنين ورائحة التربة حين يركع فوقها المطر...

أرجعه أبوه الذي علمه كيف يعطي الحياة حقها ويأخذ منها حقه.

أب أعطى الوطن عمره، صراخه مازال في فضاءات المحاكم كالصدى. اشتغل محامياً يوم لم يكن في المدينة كلها خمسة محامين، رافعاً صوته بالحق، كما ترفع الأم رضيعاً هو تاريخ قادم.. كما يرفع الفلاح منجله، والفران رغيفاً في وجه فقير بائس.

كل ما جمعه من حصاد السنين وحصاد الكلمات من أجل الاقتران ببنت البلد صرفه ثمناً لبضعة أيام مؤجلة في حياة أبيه الذي أصيب فجأة بمرض خطير في الرئة. خمسة عشرة يوماً يمكن أن يعيش إن تناول دواءً مفقوداً لايوجد إلا في أوروبة.

صارا ينامان في سرير واحد... يكمش بيد أبيه محاولاً أن يغوص بعينيه، بكل تجعيدة في وجهه ليحفظ ملامحه عن غيب.. "ابتعدنا.. فراقنا كان طويلاً يابابا، واليوم نلتقي لنبتعد غداً أكثر...".

قبل ثلاثة أيام من دفنه صرخ مذعوراً (ألا تراه.. إنه آت.. ألا تراه؟! يلبس الأبيض، أنظر ها إنه يخترق الجدار.. صار هنا...) وأغمي عليه. احتضن يده مازالت ساخنة كالنار، وقلبه مازال ينبض.

تحدثنا كثيراً في اليوم الأخير، حكى له عن حبه للمرأة الشقراء وقد رفضها من أجل أمه التي حذرته من بنات الغربة. في تلك الليلة لم يدعه ينام، حكى له طرائف مضحكة... ضحكاً حتى انفجر بالبكاء. الدموع فضحت نفسها. تعانقا حتى شعر سام بقوة أبيه وهو يشده مرتجفاً حتى كاد يكسر عظامه. استرخى ثانية مكرراً نفس الجملة: (ألا تراه ياولدي.. إنه آت يلبس الأبيض، بل كله أبيض، ها إنه يخترق الجدار... يجلس فوق صدري...).

ظن سام أن الغطاء ثقيل على صدره فكشف عنه وهو يرمقه بفزع إلى ذلك الشيء الغائب فوق صدره وكأنه فعلاً فوقه، لم يكن أبوه خرفاً ولا جاهلاً حتى تتهيأ له الأشباح، طلب من سام أن يخرج لخمس دقائق فقط. تردد قبل أن يفعل لكنه احترام أمره فاستجاب.

انتظر، أكل الساعة بعينيه، راقب العقرب كيف يدور ببطء وكأن قنبلة موقوتة ستنفجر، بدا يدور، يروح ويجيء في الصالون وحين اكتملت الدقائق ركض قاذفاً نفسه فوق السرير يشد يداً أمست كحجرة باردة كساها الثلج.

لم تستمر عملية نقل الروح ثوان.

قال سام حين وصلنا إلى المحطة الأخيرة وقبل أن نفترق كل في طريق إنه مازال يشرب.. مازال يسهر... مازال يضحك ويحلم، وحين يزور ضريح أبيه المغطى بالرخام والنقوش الخضراء يحادثه حتى يغص الغيم وينشف المطر...

قال إنه لم يتغير، كل ما في الأمر أنه صار يخاف من السماء.

¨¨¨¨




الشـــــــرفـتــــان






كانا صغيرين في السادسة من العمر، ولدا في يوم واحد وخرجت صرخة ألم وصرخة بكاء لم يقدر الحائط أن يفصل اندماجهما.. وفي مدخل البناء يتعاركان تقرصه زينب بجلده الأسمر الرقيق وتركض ليتلقفها، يشد جديلتها ويصرخان ثم يضحكان ويمسحان الأرض بالأجساد المتعرقة.

لم تنتظر زينب أن يعود، نسيته كما ينسى الوليد رحم أمه. في غرفتها تعيش حباً تصنعه، تحتضن كتاباً وحين تتعب عيونها تتأمل التمثال العاجي، لحظة التقطها النحات، وسافر ليخلد لحظة يمكن ألا تتكرر.

تسدل الستائر فوق النافذة الشرقية، والغربية، تحدّق في عينيها -وهي تمسح المرآة- وفي جبينها. وتدمع عيناها الحادتان الشاردتان خلقت لتكون على وجه رجل.

عملت لنفسها فنجاناً من القهوة، هذه المرة بغير شعور أخذتها قدماها نحو الشرفة وهي لا تزور الشرفة إلا في الصباح حيث تسقي شجرة الورد، وشتلات الحبق حتى حين تتأمل الغيوم الخريفية الشاردة في سفرها فوق الشوارع والأبنية العريضة، يحوم في صدرها حزن لاتدرك سببه.

في آخر رشفة، وضعت الفنجان فوق صحفته، مسحت جسدها (البرونزي) شاعرة ببرودة المساء.

امتدّت يد تنشر الغسيل على الشرفة المجاورة، لم تكن يد امرأة، منذ سنين طويلة والبيت ميت، لا حركة، ولا ضحك، ولا ضجيج كان يسببه رامي. وتذكرت رامي بنشوة حين جاء أبوها ورآهما كالعادة يتعاركان ويلتصقان ببراءة وببساطة فانهال عليها بالضرب.

وقفت على حافة الشرفة، مدت رأسها وبسرعة تراجعت حين التقت عيونهما، لم تهرب إلى كرسيها وقفت تنظر في الغيمة الوحيدة دون أن تراها. وفكرت "سأرد عليه السلام إن سلم. إن خجلت منه سيقول إني حقاً قد أصبت بذاك الشيء الذي خرج كالنور من عينيه".

وحصل السلام، علمت زينب بأنه توأم صرختها.

"كم كبرت يارامي، هاقد غطي وجهك الرقيق بالأشعار السوداء.. كم ثخنت ساعداك، أما زال جلدك الرقيق يذكر قرصاتي".

ضوء الشارع ينعكس على الوجهين، وفوق صدره يلتمع صليب صغير التقت اليدان، تصافحا بشرود. طلب منها أن تزيل قماش الروب عن صدرها. فغضبت راجعة إلى كرسيها. ضربها بورقة بيضاء. أخذتها بين يديها بنهم، وأسرعت إلى غرفتها لتشعل الضوء، فركت عينيها وبدأت تقرأ بهمس:

"عندما غضبت يازينب علمت بأنك اجتزت مرحلة الطفولة، وأنك مثلي ازددت أنوثة كما ازددت رجولة. لم أقصد الذي خطر لك يا أختي. افتحي أزرار القميص، فوق نهدك الأيسر أنا الذي وشمت عليه الصليب.. أترانا بتلك الطريقة نزيل الحدود؟".

انفجر قلبها... ركضت نحو الجدار وصرخت له بهمس كي لا يبتعد صوتها نحو البيوت المرصوصة. عصرا الحائط، الرائحة في شعرها غطّت على كل الروائح كان الحديث عادياً، تحدثا كما كل الرفاق، عن الذكريات ومغامرات الموت والحياة حكت له عن الفتى الذي أحبته ولم تر وجهه أو تسمع صوته فضحك.

-وأنت يارامي.. حدثني عن حبك.

-إن التي سكنّت مشاعر المراهقة سافرت إلى إيطاليا.

خمّشت يدها حين قطفت وردة، خجلت أن تقدمها له فصارت تشمها بهدوء خرجت من جوف فمها موسيقا حين قال: "اتركي لي بعض الرائحة.. شممتها كلها". هل يستطيع الآن أن يشدها بشعرها ويضربها.

النجمة الحريدة تسير من اليسار بشكل منحن إلى اليمين صارت الآن قبالتهما وكان القمر في منتصف الشهر غائباً.

تحدّثا في الديانة، واتفقا في النهاية أن الدين محبة وروح وصدق.

ووعدها كرجل سياسة وعداً كاذباً بإلغاء الحدود في الخارطة.

وحين تحدثا في الشعر، أطال الشرح حتى اقترب الصبح وأذّن المؤذن من وراء البناء فصمتا. ساعة أخرى ويبحر في السفينة إلى قارة أخرى.

لم يقدر الحائط كما فعل في تفرقة الجسدين أن يبعد يده عن وجهها المحموم بالحرارة.

-لم لم أركِ إلاّ في اليوم العاشر؟

-حتى لو كنتَ محكوماً بالصليب، سنلتقي كنجمين، أجل يقال أن العشاق يتحولون إلى نجوم. أو عصافير في الجنة.

لم يقدر أن يخبئ ضحكته فقال:

-آه... لو لم يكن بيننا هذا الجدار.

ربع ساعة ويتم الوداع.. لكنه لم يتم لأن خطوات أبيها تقترب، جلس على الكرسي الذي كانت تجلس عليه وطلب منها أن تحضر له فنجاناً من القهوة على اعتبار أنها على غير عادتها استيقظت وحدها ولأول مرة في حياتها.

لم تقدر أن ترى جسده أهو نحيل أو ثخين، طويل أم متوسط، أن تراه وهو يلوح لها بمنديل ونظرة. رجعت إلى سريرها نامت إلى اليوم الثاني.

وفي الصباح انجذبت كالنحلة إلى الحائط مسحته بيدها، شعرت بأنفاسه بدأ نفسها يتسرع حين قرأت كلمات مكتوبة بقلم رصاص بين الشرفتين:

""عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أوشرفتان راح ينأى عنهما القمر"

صار للتمثال في غرفتها روح كأنه أجمل لحظة مسروقة من الحياة، استفاقت الصبية والصبي وتحرّك في يده (الغيتار).

بدت الوردة الجورية أكثر احمراراً، والورق القاتم أكثر اخضراراً برغم قدوم تشرين الذي ينذر بالمطر. وكيف تحفظ القصيدة من زخات المطر. وهي التي كانت تنتظر المطر وتقدّس المطر.

على عادتها تنظف (الجنينة) من الورق الأصفر المبلل.. وبدأت تلعب لعبة النسيان كي تنسى رامي مرة أخرى وتعيش طبيعية كبقية البنات.

هكذا كانت تفكر وهي تنقيّ الورق الأصفر الذابل حول ساق الحبقة في الأصيص الذي أخذ مكانها من أيام طويلة. ضغطت الورق وعملت منه كرة معجونة، شيء وخزها كالإبرة، فتحت أناملها ونثرت الورق في كفها، نفخت فيه بقوة، فتطاير في أرجاء الشرفة. ولمع شيء صغير من الذهب، صار صدرها يعلو ويعلو، أنفاسها ساخنة كأنها خارجة من وعاء مغلي، حملت نفسها بضعف حاملة الصليب الذي وضعه في أصيصها وفوق سريرها كشفت عن صدرها الأيسر ووضعته فوق الصليب المرسوم بالأزرق.. في كل الأزمان كان يلحق بها رامي يلامسها بسحر خفي ثم يختفي، رامي مثل رجل في أسطورة يونانية لايمكن أن تدوم رغم بطولته في الحب والجمال.. رامي خرج وهي صارت تموت...



¨¨¨¨



إطفـــــــاء رجــــل






أقبل المساء، كل واحد في البلدة عاد إلى عتمته، ينفض ماتبقى في سراديبه من رماد يومه يختلق المشاجرة اختلاقاً مع الأم، مع الأخت، الابن.. فجأة يمزق الهدوء ضحكات تخرج من كل نافذة.

اجتمع الرجال في اليوم الثاني بمافيهم العجائز داخل المقهى يعيدون ما سمعوه البارحة متناسين همومهم وديونهم، ومشاكلهم مع البلدية لإصلاح الشوارع، وتبديل الأضواء التالفة.

تناسوا الأخبار المحلية والعالمية والنشرة الجوية. منشغلين بحادثة الحمار الأوروبي الذي أذيع نبأه البارحة في التلفزيون وقت اجتماع الأهالي بانتظار المسلسل الذي يضم في حلقاته كبار النجوم.

ظن البعض أن الخبر على رمته مزحة، فما أكثر الطرائف التي يكون بطلها الحمار، وخصوصاً في تلك الحارات الضيقة.

قال رجل: (ياجماعة... واللّه الأجانب فهمانين، بيهتموا حتى بالحيوانات...)

قال عجوز وهو ينفخ من صدره كمية من دخان النرجيلة:

-(يا عمي.. ياهيك القضاة.. يابلا.. يرحم أبوه..)

رد ثالث وهو أستاذ محاولاً أن يصبغ كلامه بمسحة تدل على ثقافته:

(العربي عنا بطبعه عصبي.. مابينطر ع القاضي إذا كانت المشكلة بتتعلق بكلب أوحمار.. إيده والضرب).

انتظر عبود وهو أصغرهم سناً حتى فرغ كل واحد مما عنده:

(شو رايكم لو نطبق هـ الحكم على بوصلاح؟! ارتفع صوت الضحك والصخب حتى تبدد الدخان كالضباب في فضاء المقهى.

أخذ البعض كلام عبود بجدية، تناقش الرجال مع نسوتهم طوال الليل في الخلاء.وأم غفران متحمسة للحديث عن ذلك.. تنتظر زوجها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 9:59 am

ليرجع من سفرته تضع رأسها فوق زندها الثخين وعيناها شاردتان في الساعة المعلقة. أخيراً جاء. اغتسل ولبس عباءته ثم تفرغ لها حكت له عن الحمار الذي لم يترك حيواناً من ذوات الأربعة إلا وركبه. لم يقدر صاحبه عليه، اشتكى الأهالي. وبعد يأس حكم عليه بـ (الخصي).

الرجال يفكرون بتطبيق هذا الحكم على الفران أبو صلاح الذي لم يترك واحدة من ذوات الاثنين لم يتحرش بها، بغمزة بهمسة، بلمسة حتى أم غفران لم تسلم من نظراته.

صفع كثيراً، أرض الفرن المغبرة بالطحين مسحت بثيابه. أدخل مرة إلى النظارة لمدة يومين. ولم يتب. مازال على حاله يطلب عاملات في الفرن ولكن هذه المرة من القرى البعيدة حيث لم يذع صيته.

للفران عيون من ينظر فيها من الرجال يشعر بالنعاس، مشيته مريضة تقول النسوة إنه مصاب بـ (خلع ولادة). إن شبه بشيء كما تشبه البنت القصيرة بالبطة والرجل القوي بالحصان فإنه لا يشبه بسبب احمراره المستمر إلا بفرنه الحار في الصيف والشتاء.

سافر مرة إلى تدمر أبعد منطقة في سورية عن بيته لا رغبة في التفرج والدهشة من أعمدة ضخمة غير قادر إنسان هذا الفرن على صنعها، ولكن لرؤية أطول مسافة من السيقان والوجوه المنسلقة من غليان الشمس لأجساد النسوة الأجنبيات. لم يعد يذكر كيف كان معبد (بل) ولا يعرف كيف خرج وهو يلاحق بنظراته خلفيات النساء.

ومرة اصطحب زوجته القصيرة مثله إلى ناد على الشاطئ الأزرق في اللاذقية، وأمام دهشته نسي أن يردد الكلمة التي تشعره بشخصيته (تستري). تمشي وراءه كالنعجة التي تلحق بصاحبها الراعي. بدت خجلة وهي تسقط نظرها فوق الرمل، لم تتجرأ أن ترفع رأسها في تلك الأشكال الشبه عارية. أجساد لا تشبه جسد أبو صلاح بشيء. العرق يتصبب منها حتى ثيابها الداخلية تبللت من الرطوبة، ولانسمة هواء تدخل الخيمة الزرقاء الكبيرة. فكرت لو تخلع عن رأسها الحجاب وتصنع من (المانطو) الأسود شراعاً لقارب يمشي فوق البحر إلى آخر نقطة التقائه بالسماء. وتخيلت متعة الرجفة الصيفية الباردة بعد الهلاك من السباحة.

وحين لامس خيالها منطقة الشعور، انتفضت وصلّت أن يسامحها الرب، وأمام صمتها وانتظار أن يسير الوقت بشكل أسرع دار عقرب الساعة حتى أصيب وأصاب الزوجة بالدوار.

استلقى الموج فوق الرمل، نام واستفاق ألف مرة.

أخيراً.. حضر أبو صلاح مبللاً بالقطرات المالحة لا يستره سوى سروالٍ مبقعٍ بالألوان الفاتحة - تنهدت - الآن تقدر أن تنظر في وجه أحد ما. عيناها في عينيه وعيناه في أعينهن حكت له أحاديث كثيرة، لم يفهم منها حديثاً واحداً سوى أنه يهز لها برأسه ويبتسم لها بتصنع. حاولت أن تجرب ذكاءها لشد انتباهه بحيلة. فحدثته عن الحمار سيرة البلدة. حدثته بحماس حينها خرجت من بين الشارب الأشقر والشفة السفلى كلمة ملفوفة بغمامة رمادية من دخان سيجارته (مسكين).

ثم رشف لعابه ولم يزد كلمة. ساد صمت بينهما وسط الصخب يفجّر الرأس. فزّمت فمها الداكن بحزن راحلة في غيبوبة عقلية.

قبل أن ينهض إلى عمله بالفرن وقبل الفجر بقليل صرخ وأجهش. فتحت زوجته الباب بقلق مدخلة رأسها قبل جسدها، رشت على وجهه رذاذاً من الماء البارد.

(كابوس.. ياعسلية.. احترق الفرن وزلزل من تحتي يا عسلية).

احتضنته كأم محاولة أن ترجعه إلى نومه ساعة أخرى. ولما رجع إلى شخيره بدأ القلق يلفها. من هذا اليوم تبدأ النهاية حين وقف رجل بباب الفرن الضيق وابتسم. اختفى الفران في أحضانه. شده الرجل إليه بمحبة. كان بينهما حديثٌ طويلٌ احتسيا إبريقاً من الشاي. معاً خدما في الإلزامية... ومعاً خرجا من ألسنة اللهب أثناء حرب الانتصار... اقتسما السجائر والخبز اليابس والزيتون.

طلب منه تشغيل ابنته (ريتا) في الفرن، قابل الفران طلبه بابتسامة قبول، وتعهد بشاربه الأشقر أن يكون الأب الثاني لها.

(ريتا) معشوقة عبود الضخم، الموظف في البلدية، والرسام الذي يتقن رسم الأصوات والحركات. في كل لوحة يرسمها يصنع فيها جزءاً من ريتا. الشعر الأسود كغابة هجرها القمر.. عنقها الأسيل كجذع شجرة آزرة خلف شباكه. ونهداها المرتفعان صوب السماء بخشوع. لم يمض أسبوع حتى انتشر خبر (ريتا) في العائلة حين رجعت تحت الشمس غارقة بعرقها ودموعها. وصار الفرن مثلاً يضرب على كل فتاة تنوي مقابلة أحدهم بالخفاء كان بهمس البنات ثورة صامتة انتهت أخيراً بالمصارحة.

تزعم عبود اثنين من رفاقه، مشوا بثقة وغضب في الطريق إلى الفرن. رفع عبود قدمه الطويلة ووضعها في بيت النار البارد وصرخ بأعلى صوته.

-شو بتساوي فيك الحكومة، بأي قانون بدا تأدبك...

وتابع حديثه باللغة الفصحى مقلداً القضاة:

-حكم عليك حكماً غير قابل للطعن...

ثم صمت مفكراً بكلمة مناسبة وتابع بوجه مرتبك:

-بالحكم عليك... كما حكم على الحمار.

تسلمه الثلاثة بهدوء... لم يطل الصمت حتى صرخ الرجل...

أنّ... وبكى... ثم خرّ

ذبلت الشمس، غطست في البرد، زغردت النساء ورقصت الصبايا.

¨¨¨¨




فتـــــاة مـــن ورق








تتراخى شجرةُ التوت الأحمر في زاويةٍ منَ الأرضِ البنيّة المقامة بعناية. ضجيجُ الماء المندفع من الصهريج جُعلَ نومتَهُ في الجوِّ الحار عميقةٌ.. بدأت المياه تفيضُ من الحفرةِ الطويلةِ، قَفِزِ دون إرادةٍ، أطفأ (الموتور) ثم أصلح الخطُ بالمجرفة.

تفحّص صفوف الورد بنظره الضعيف، تنهّد ملء صدره، غسل وجهه المنتفخ، مسح شعره المجعّد وأعاد قبعة القماش المغمسة بآثار التراب الأحمر. شدّ الحمار الرمادي إلى غرفته الحجرية، أغلق باب الخشب المشقّق وجلس على كرسيٍ صغيرٍ متأملاً وجه أمه، مازالتْ مذ تركها عند الصباح فوق الحصير، تصفُّ ورق نبات الدخّان بالمئزر المنتهي إلى خيطٍ ثخينٍ. هزّ رأسه بسرورٍ، ثم استأنف عمله بربط ما اشتغلته فوق
سقف خيمة القصب حتى تتيبس الوريقات
وتحترق بلهب الشمس.


تمدّد أخيراً بارتياح ناظراً إلى أعلى الخيمة:

-سأ.. سأتزوج قريباً، موسم الورد كثيرٌ في الحقل.. والدخّان أيضاً.

صرخت الأم العجوز وهي تقف بصعوبة تنفضُ عن فستانها غبار الورق:

-حمدو.. إلحقْ إلى الطاحون، واحضر لنا كيساً من الخبز.

الحمار ينظر من نافذة غرفته الصغيرة، يتطلع إلى صاحبه بعيون تعبة بعد وجبةٍ دسمةٍ من الشعير. شُدَّ ثانيةً من حجرته،.. وهذه المرة أرخى حميد ثقله عليه.

البيوت تمشي إلى الوراء، وفي كلِّ حجرةٍ من تلك البيوت تجلس فتاةٌ صبيةٌ. هذا بيت (سُليمى) صاحبة الوجه الخمري الداكن الذي يمقته، وذاك بيت (نائلة) جارتها التي تتحرك بصعوبة لقصر ساقيها، وهو إلى تلك اللحظة لا يقدر أن ينسى كيف تدحرجت على الطريق الترابي المنحدر. أما (فريزة) فلها رائحةٌ ثقيلةٌ مزعجةٌ برغم شعرها المجدول والعيون الخضراء الربيعية. استحضر صور جميع فتيات القرية محاولاً أن يرشَّ على كلِّ واحدةٍ لمسةٌ من السحر. جعل كل واحدة تبتسم بجاذبية، مرتدية الحرير والحلي، فلم يفلحْ، كلّهنّ لا يحركنّ به أي شعورٍ، ابتسم باستهزاء قائلاً في نفسه (وفوق هذا كلّه... لا يَرُدُّنَّ السلام).

قبل أن يصيح الديك الكبير ويوقظ الدجاجات، نهض حميد من فراشه الساخن، قضم رغيفاً مغمساً بزيت الزيتون مع فحل من البصل. وقبل أنْ تخرج الشمس من تحت الجبل العملاق كان بين شجر الورد، يقص السيقان بالمقص ويرتبها بنعومة فوق ساعده، ثم يربطها بشريطٍ، كلُّ مجموعةٍ على حدة. سعر الوردة ارتفع هذا العام حتى وصل إلى "الخمس ليرات"، وبدا ساهياً متى سيتوقف عن البيع للحظةٍ، لحظة تنام عروسه فوق حقل الورد، وتمشي فوقه كالنحلة، فكّر ببنات المدينة، نظافتهن.. مشيتهن.. كثرتهن..

غداً آخر نقلة امتلأ صندوقه بالنقود، سيبيع عدّة مسح الأحذية التي يستخدمها لتلميع الأحذية شتاءً، بيد أنه سينظف آخر حذاء، له قبل أن يقوم بذلك. مهنته لم تعد تناسبه. فالأعمال تترقى برقي الجيب.

كثيراً ما يستلقي ناظراً صوب الشمس المختبئة خلف ورق الشجر متأملاً في وجوه أقربائه. رؤوسهم كثيرة في الحافلة الضيقة متعرّقة، ومرقّعة كحبات البطيخ، يضحكون كالبلهاء، لايكفون عن الثرثرة وطرح الأسئلة. أما السائق فكان طيباً كريماً يسامحه معظم الأحيان بإجرة الطريق إلى المدينة.

باع باقات الورد في محل أكاليل الزهور، عدّ الأوراق النقدية ودسّها في جيبه. المحلات كثيرة. خرج من المطعم يزفر من بطنه رائحة شطائر اللحم الساخنة التي يأكلها للمرة الثانية في حياته، بعد الرزق الذي انهال عليه.

دخل محلاً آخر، وخرج مزيلاً عن وجهه ذقنه المعثكلة. ركب في الحافلة مختاراً مكاناً قرب فتاة يظهر أنها في الثلاثين، في كل هزّة يرتطم بها متعمداً، ولمّا لم يلحظ عليها الاستياء، وضع يده بجرأة فوق يدها، نظرت إليه بقسوة واحتقار، فسحب يده بسرعة وتأسّف. نزلت برشاقة دون أن تردّ عليه، فلحق بها، سيحاول أن يكلّمها ويطلب منها الارتباط. سيبيع حماره وأرضه ويشتري دكاناً في المدينة، وسترضى به.. بل إنها ستطير فرحاً، فهو رجل بمعنى الكلمة.

تقدّم بثقة حتى صار بمحاذاتها، ألقى التحية باسماً لها بارتباك، ولمّا لم تعره اهتماماً وقف قبالتها معتذراً مرة ثانية، عمّا صدر منه من سوء أدب، فصرخت به، (إرحل عني يا أبله). تسمّر في مكانه يرمقها بحزن، وهي تنعكف وتغيب في زقاق ضيقٍ. فرك عينيه بأصابعه. امتصت الدمعة دخان وغبار الجو، (قاسيات هنّ بنات المدينة). قال في نفسه متجهاً إلى (الكاراج).

الدنيا مغموسة في ضباب، نظره يضعف يوماً بعد يوم، سيسأل عن طبيب عيون قبل أن يرى العتمة والعدم. وقف في مكانه يطبق جفنيه ويفتحهما مكرراً ذلك لتتوضح الصورة أمامه، أيمكن أن يكون ما يراه حقيقة؟!رفع رأسه بثقة، فتح أزرار قميصه الأخضر عن صدر أسمر محمّر، والآن صار في منتصف المسافة بينه وبينها، غمزها بعينه فردت بابتسامة، لاحقت نظراته هيئتها الجميلة، وهي تشير له بالاقتراب. الدم يخرج من قلبه ناضجاً، صاخباً كضجيج ماء الصهريج الماص لتربة الأرض، أخفض جذعه حتى صار رأسه بمحاذاة نعله، مسح غباره، ثم تابع خطواته نحوها، يرمق جسدها الطويل بشهوة، جسدٌ يظهر أكثر مما يخفي، كأنها تعرفه، ابتسامتها طويلة ومستمرة. صار على بعد خطوتين عندما ابتسم بمرارة، مازالت تبتسم كالبلهاء.. كالساحرة المتخفية في تمثال الجمال، تحسّس شعرها اللامع بأنامله، فتلوثت الأنامل بغبار الرصيف. انطفأت حرارته، تعرّق، مرت شموس الفصول الأربعة دفعة واحدة في داخله وهي نفسها، لكنّها تنقلب على نفسها تحمّر، تصفّر.. تغيب وترجع. لايدري كيف ذهب بفكره، وفي تلك اللحظة بالذات، بصور الشمس شمس تشرين، فالفتاة من ورقٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 10:00 am

مصقولٍ، دخل محل التصوير لما رأى نفسه قبالة المدخل، دس الوصل في جيبه (صورةً كبيرةً.. المبلغ مدفوع).

في الليلة العاشرة من هذا الحدث، وبعد جهد جهيد من العمل. ألقى بجسده المنهوك فوق السرير ناظراً في صورته المحاطة بإطار فضي في صدر الغرفة.

إنّه يبتسم بأمرٍ من المصوّر... (إرفع رأسك.. انظر إلى يدي.. لا، لا تنظر هكذا، ابتسم.. واحدْ، اثنانْ.. تْشَكْ)





¨¨¨¨








النعجــــــة الضائعـــــة






بيت مصور بالفقر، وأرض حمراء صغيرة مزروعة بالشتل. ثمانية أولاد بالإضافة إلى البقرة والأتان. هذا كل ما كان يملكه ونوس من هذه الدنيا. يجر نفسه وراء الحيوانين ليتعاونوا ثلاثتهم في الحراثة، منذ طلوع الفجر وحتى الظهر. قلمت التربة على شكل خطوط استعداداً لموسم قادم. وحين يتعب وتتستر ملامحه بالغبار يعود إلى زوجته. تساعده في خلع حذائه الموحل بالتراب الأحمر. تحضر صدراً واسعاً من القش فيه خبز تنور (وكرابيج) من الذرة المسلوقة يتحلق العشرة حولها جالسين فوق حصير. يصرخ رئيف على عادته:

-ما شبعت.. كربوجة واحدة لا تكاد تصل إلى المعدة..

يجيب الأب بحدة..

-الذي يأكل كثيراً يكون كالبقرة.

ذات مساء من مساءات الشتاء الطويلة خرج من الغابة في الجبل صوت عويل الضباع، لحقه صوت عواء كلاب القرية. كانت الريح غاضبة قذفت أوراق الشجر في الهواء وحركت جذوع السنديان الضخم. صفرت من خلف الباب الخشبي. والجميع قلق على ونوس، لم يعتد يوماً على التأخير. وحين جاء وضع الطعام وحصل نقاش طويل بشأن النعجة التي يجرها وراءه، والتي استقرت أخيراً في زاوية الغرفة.

نتائج النقاش انعكست سلباً على رئيف الذي سيقوم برعيها كل يوم إلى أن يجد صاحبها. وبعد طول انتظار صار ونوس يدور في كل القرى التي يعرفها ليسأل مخاتيرها أن يساعدوه في البحث.

مرّ شهر ورئيف في البراري عند حدود القرية، كفوف الريح تصفعه، تصطك عظامه وينزف من جرح الغيم مطر كانون.. يقعد وراء صخرة كبيرة منتظراً أن تنتهي تلك القافلة من الرياح ويصرخ بأعلى صوته، يغضب نفسه كي يشعر ببعض الدفء.

"ما أكثرك أيتها الريح.. متى تتعبين، إن لم تهدئي اليوم ستهدئين غداً".

صارت النعجة جزءاً هاماً في الأسرة، شبعوا من الحليب، يكرع رئيف كأس الحليب بنهم ويمسح ما علق على فمه بطرف كمه.

حلمه بالنعجة كان كبيراً جاكيت من الصوف تشتغلها أخته بالسنارة بدلاً من هذا الثوب الذي لايلبس شيئاً تحته ولا فوقه، ثوب قصر عليه وضاق يشبه زي البنات.. أما حلمه الثاني فهو غطاء... يستر الجميع دائماً يبقى واحد في العائلة ضحية النوم في آخر الصف فيصاب بالبرد والإسهال.

ذهب ونوس إلى المختار وشكا له ما آل إليه من الحيرة. ماذا لو اتهموه بسرقتها.

لكن المختار نصحه بأخذها: (لو كان لها صاحبٌ لظهر ياونوس هذه عطية من السماء، رزقتك لأنك طيب وفقير).

جواب لم يرحه من تأنيب الضمير فحمل نفسه إلى بيت الشيخ ليعلم بفضل حكمته إن كانت منذورة لأحد الأولياء أم حرة.

تغيب الشيخ قليلاً ورجع حاملاً ورقة، بدأ يجمع ويطرح، ويتمتم بكلمات غريبة غير مفهومة وبعد وقت ليس بقصير تنهد وقال: (إنها منذورة، ولكي تكفر عن ذنبك عليك بإحضار صوفها زكاة كل عام للشيخ. ثم إن ولدت أنثى تربى مع أمها، وإن ذكراً فهي للشيخ أيضاً وحليبها يبقى لكم).

حين سمع رئيف أباه وهو يحدث أمه بذلك، حزن كثيراً وشعر بالخيبة، أجهش في الفراش، رأى أشباحاً ترقص على الجدار وكان يدرك أنّ ما رآه، عقوبة من الشيخ لاعتراضه الضمني على فتواه.

في تلك الليلة طرح كثيراً من الغازات. كانت ليلة انتهت عند الصباح بالصفع لأنه لوث الفراش.



¨¨¨¨








"تجارب فاشـــــــلة"






جميل أن يتعلم المرء من تجربته الخاصة خلال لقطات حياته المهمة، ولكن من القادر على ممارسة نفس التجربة ثانية بنفس الحماس، وبنفس التمثيل، ومن ثم البحث عن الشخص -الفار-.

أما أنا فقد علمتني التجربة أن الحبَّ لا يأتي سوى مرة واحدة، وأنّ فرحة بلوغ الطاولات تأتي مرة واحدة.

لاشيء جديد، عناوين الصحف نفسها والموضوعات ذاتها، اتسمت في كتب الخمسينات وما قبل.. حروب، سلام، أفكار كثيرة تتضارب، نظريات تنقلب على ذاتها. وفي نهاية المساء يحمر وجهي من حرارة المدفأة اللاهبة، تنغلق جفوني عنوة، تتضخم الحروف وتنتفخ حتى تعلق في حلقي فأشعر بالاختناق يوقظني أخي آخذاً مكاني ليحتسي ما تبقى من الشاي أمام محطات البث في ذاك اليوم نمت كثيراً، طوال النهار.. حتى انتفخت جفوني وغيبت عن ناظري تفاصيل الصور. وفي غمرة شرودي، وقف أخي عاطف قبالتي مبتسماً ثم جلس يداعب مفاتيحه، هل هو مريض حتى يرسل من فمه الداكن تلك الكلمات الجميلة، لم يعتد حتى أن يسلّم عليّ. قذفني بقطعة من "الشوكولا" وأمرني بلطف أن أغيّر ملابسي لقضاء أمسية جميلة في مقهى. اليخت، الذي أفضله، لم أتردد أسرعت قبل أن يغيّر رأيه، فهو شاب غريب الأطوار، غامض، يعيش معي برابطة الدم التي تسري في جسدينا، يحميني من الوحدة الساكنة التي يحرّكها بوجوده يحميني من النظرات، يحمي شباكي من حثالة الشارع.

كنت أعلم أنه إذا أحب يموت حباً، يسهر، يتألم، يقرأ روايات سطحية لا أجرؤ على وضعها في المكتبة بين كتب الجرجاني وابن هشام.

لبست بنطالاً ضيقاً، وحذاء بكعب عالٍ، مشيت في الممر ففاحت رائحة عطر البنفسج، فرحت لأنه أدرك من حديثي على الغداء حاجتي إلى النور، والهواء النقي، والعاطفة الأخوية، صرت أدندن مع الموسيقا الصاخبة التي لا أحبّها في بعض الأحيان. أوقف السيارة فجأة، فتح لي الباب ثم أغلقه ورائي.. أنهينا القهوة المرّة، أخذت نفسَاً بحرياً حتى تعبأ صدري، تابعنا طريقنا، كنت قلقة وأنا أرقب نظراته إلى الساعة المعلقّة فوق المرآة الصغيرة، بدأ يحدثني عن -ساميا- التي تشغله، أحزنني جنونه بها، فتاة تعمل في ناد لتقويم الجسد، اهتماماتها بسيطة تنجذب إليّ معرفة أناس من ذوي المراكز المرموقة، وأصحاب السيارات الحديثة، سمعت الحكاية. لم ترقني بل أشعرتني بالاضطراب والقلق، للحديث عنها غاية غامضة.

دخلنا بالسيارة قاطعين شارعاً مغمسّاً بالمياه السوداء، مررنا بأزقة مظلمة ثم توقفنا أمام باب حديدي ضيق. غاب كفه في صدره مخرجاً ظرفاً صغيراً. كنت أرقبه منقّلة نظري بين الباب الحديدي والظرف مشدوهة كالبلهاء لدرجة أني نفذت ما طلبه مني بدون تفكير أو اعتراض.

قرعت الجرس مرتجفة أمام ضوء السيارة، ارتجف صوتي أيضاً عندما وقف أخوها أمامي بجسده الضخم سائلاً عن إسمي.

خرجت الفتاة من غرفتها عانقتني حتى اطمأن أخوها واختفى عن نظرنا.. -يا للوضاعة- قلت لنفسي.. إنها المراهقة بعينها، اهتززت في مكاني كباب من خشب تفتته الريح. ويعفنه سيل صنعه المطر. أرقب الاثنين كيف يمثلان الحبّ. همست لها وأنا أسلّمها الظرف أنْ تحذره، فضحكت واضعة الظرف في صدرها الثائر على قدره وسترته ولم ترد.

لو كان هذا الحبّ هو حبّه الأول لما حزنت كلّ هذا الحزن، لو كان يريد الزواج منها لسعيت له من أجل ذلك بكلّ طيب خاطر، أينام ويشاركني مغامرته المجنونة من أجل أن يلمحها في ثياب النوم؟!

كنت وإلى الآن مندهشة كيف تتعارض مقولات الكتب مع معظم البشر الساكنين فينا وحولنا...

أما بالشر القليل الذي يترسب كالرماد في مدفأة قلبي فإني أكتب "من ذكريات أخي الذي بدّل سياّرته بعربة للخضار، أخي القوي جداً.. الذي مارس تجربته ألف مرّة، بنفس الحماس، ونفس التمثيل والموهبة؛؛؛ فما أكثر الفئران أمام غباء العلماء..".




¨¨¨¨








الخيــــــط




أجمل اللحظات التي أحترمها وأردد ذكراها لحظات الهمس الهادئة على الشرفة حين أشارك زوجي مصّ دخان النرجيلة في ساعة متأخرة من الليل ولكن للسعادة عمر تقف عنده في اليوم الأخير زرته في عيادته قبل أن يأتي البيت، شدّ انتباهي فنجانين من القهوة على الطاولة أحدهما مطبوع عليه آثار لأحمر شفاه. سألته، فبان كذبه، كدت أطرح الولد الساكن في رحمي. حملت حقيبتي فشدني من ذراعي. علق بيده القوية خيطاً خرّب معطفي الصوفي الأحمر. تكلم كثيراً مبرراً تصرفه السخيف بأن الفتاة صديقة قديمة تجمع بينهما معزة وأحاسيس بريئة، نصف الكلام لم أسمعه أرقب وجهه بعيون دامعة، أمسح بيدي بطني المتضخم والخيط في يده يشده يلفه حول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ساره



عدد الرسائل : 167
تاريخ التسجيل : 05/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: مجموعه قصص ( منال فياض)   الثلاثاء يوليو 22, 2008 10:01 am

إصبعه ثم يفرده بغير شعور وقبل أن أدعه وحده سألت نفسي "الممرضة لم ينتهِ دوامها.. أين غادرت وتركتهما هكذا معاً؟!" يا لرائحة العطر القوية النتنة حين تندمج مع رائحة الدخان الخارج من فمهما.

وفي بيت أهلي كنت أهتز ألماً مع شاقول ساعة جدي التي ورثها والدي مع سرير من الحديد. فرحت أحياناً فكل يوم يمر دون مشاركته طعامه وغرفته ونرجيلته أعده انتصاراً عظيماً على نفسي وروحي المشدودة إليه، وحزنت أحياناً أخرى لأن الحياة قصيرة لا تستحق منّا هذا الفراق. لم يمضِ على زواجنا شهور كثيرة، الولد ينتظر في أحشائي للخروج إلى الحياة بين يدي أبيه.

اجتمع الأصدقاء وتدخل الأقارب كنت أريد العودة فأنا أحنّ إلى مطبخي.. لاشك أن الغبار يأكل النوافذ، وخيوط العنكبوت تلتقط أكبر قدر من الحشرات.

الروح تهفو اشتياقاً فأبكي، الكبرياء يطرحني الآن باردة على شرفتنا الضيقة في حينا القديم. من أجل أن أستمر سأعيش معه راضية، عليّ أن أكون كما يريد وعليه أن يكون كما يريد هكذا يشعرني برجولته، لا أحب الرجل الخجول الشقي أفضل، هذا ما تقول بعض الصديقات.

ولدّتني القابلة جارتنا، ألم الموت اختفى أول ما سمعت زعقة الطفل، وجهه كوجه والده، وفم صغير ينجذب بالفطرة ماصّاً قطرات الحليب بنشوة، زوجي حضر الآن يبدو مرتبكاً يبتسم بتصنع، يلف الخيط الأحمر حول إصبعه ثم يفرده، ويفركه بكفيه، يعثكله ثم يعيده بشكل مستقيم بدون شعور. أخذ الولد من بين يديّ ممعناً النظر في جسدي الممد على السرير قبل أن ينظر إليّ، قلت له بهمس: (مبروك عليك يا أبو كرم).

لم أتمالك نفسي، لأول مرة تخرج من جفوني دمعتي فرح أشعرتاني ببرودة صدري أمام سخونتهما. تركنا الطفل في سريره واقتربت منه ساحبة من بين أصابعه الخيط بهدوء، لففته حول إصبعي وفردته. نسينا الكبرياء وصرنا نصرخ كطفلين: (إنه لي... بل هو لي.. لي...)، حتى انقطع، فاتصلنا.



¨¨¨¨








أحزنتني... يا يوم اللقاء






الريح قوية تمرّ فوق الشارع العريض تصفع أوراق النخيل. حبّات البرد تطرق على البلور ولا أسمع سوى أنين موجع في بطني أثناء ليل مديد انقطع فيه التيار الكهربائي. تأوهت بصمت، تقيأت.

وآخر ما وعيت عليه أصوات ركلات أقدام على السلم وصوت أمي العالي.

كنت محمولة كطفلة في حضن أبي.

-انتظر... المكان خطر، أدخل زوجتك فقط...

سيارات الإسعاف تتحرك ويعلو زمورها أمام باب المشفى العريض وقف الكثيرون، وآخرون يركضون ببطء ماسكين بطونهم كلٌّ وحده. إلا أنا.

فقد قوبلت بعناية خاصة ربما لصغر سني. أخذني الممرض ووضعني فوق نقالة وصرخ لأمي:

اشربي حبة الدواء هذه، واتبعيني.

شدّت على يد والدي وكأنها تودعه للمرة الأخيرة.

لا أحب أن أموت الآن.. لن أدخل هذا المكان الموبوء.

تمنيت أن أخرج من جسدي حين مررت بذاك القبر الكبير وأنا ألمح أمي وهي تركض وراءنا ناسية عمرها أمام حبها لي.

الجثث في الممر مازال فيها بعض النفس. والمراحيض مشغولة يدخل مريض ليخرج آخر يمشون وخلفياتهم منحنية إلى الخلف.

تدّب الحركة في ذاك المكان من المدينة لكنها حركة الموت وفي الخارج يسود صمت السيارات والباعة الذين ينعمون أو يبتلون في نوم عميق.

كنت أرتجف كورقة معلقة في فرع شجرة حين قرأت كلمة مكتوبة باللون الأخضر فوق الغطاء الأبيض الذي يستر جسدي-كوليرا.

خفت من أمي، ومن الطبيب، ومن يدي التي تنغرس فيها إبرة في الوريد أوردة زرقاء كديدان متوحشة. صرخت:

-أنا بردانة.... ولست مصابة.

لكنها القوانين الصحية، كلّ من يتقيأ مصيره هنا. أسلمت رأسي بيأس للوسادة كما الدجاجة حين تصير رقبتها بين كف البائع والسكين. لا جدوى من الرفض. أنا وجارتي على السرير الآخر أفرغنا ما عندنا من دموع، ثم ابتسمنا بسخرية وضحكنا حتى أسكتنا السعال.

وتساءلت من منّا السباقة إلى الموت؟!.

وأجبت ليس مجدياً أن يتسابق واحدنا للموت قبل الآخر، المهم أن ننشج في ناي الحياة حتى أخر لحن حزين. هي أيضاً تقيأت وصرخت في وجه زوجها وابنتها:

-هذا الإسهال من زيادة السكر... أخرجوني.

-لم يرد عليها أحد. وكأنها تصرخ في كابوس. لم يسمعها أحد غيري.

-آخ... كفرت بكل شيء حتى تلوثت نفسي وتلوث دمي... لا أؤمن إلا برقعة أرض ستضمني حتى وأنا ملوثة.

وقلت:

-إلى متى سيتحمل هذا الوطن... لقد كثر فيك الملوثون والمعذبون!

أجبرنا على شرب محلول ليس له طعم أو رائحة وبكميات كبيرة، وأنا أجبرت نفسي على الغرق في ذلك المحلول حتى صار يخرج من حلقي.

لا أذكر كيف نجوت من باب الموت. بدأت الحياة من جديد كما كل النساء أزور جارتي، تزورني، نثرثر عن الأخريات ونقلب فناجين القهوة. ثم نتخلص من صخب الأولاد بإخراجهم إلى الشارع يلعبون، يشترون... يزفرون وفي ليل ذبلت فيه جفوني خرج صوت لم يكن صوت الريح لكنه صوت أسمعه يخرج من عظامي. أصوات ضحكات وصرخات نبيلة سنة كاملة مرت على فراقنا. شعرت بحقد مؤقت نحوها. وعدتني بأن نكون صديقتين، وكذبت. صداقة جمعها الموت وفرقتها هي حين لم تحاول أن تهتف لي ولو مرة. حكت لي حبّها الأول. وجعها وفرحها، زواجها وإنجابها ثم إفلاسها بصرفها النقود في عيادات الأطباء. زوجها كان يعلم تماماً بأنه حين يقذفها بسرير في قسم الأمراض السارية لن تنجو أبداً.

يوم زرتها في بيتها كانت مازالت مريضة، منتفخة العينين والقدمين.

جهزّت القهوة بنفسي، تصرفت بالبيت بحرية وكأنه بيتي. تفرّجت على الصور ولكل صورة حكاية مغزاها الموت. أشعلت المدفأة ثم جددت لها الماء في الكأس.

لم تستمع لي حين سردت عليها حكايتي. بدأت تشخر وأنا أحادث الهواء الفاسد في الغرفة. غطيتها جيداً وقبل أن أغادر متعت نظري بالصورة المكبرة فوق سريرها. وجهان ملتصقان خد ناعم وخد آخر تغطيه لحية سوداء.

لم يدعني صوتها بسلام في تلك الليلة. امرأة عزيزة غزت مخيلتي بالغصب.

بحثت في ذاكرتي عن عنوانها. وفي سيارة الأجرة فكرت بابنتها الصغيرة هل دخلت المدرسة الابتدائية؟. ونبيلة ماشعورها حين ستجدني قبالتها بعد سنة. صعدت السلم إلى الطابق الثالث بخوف وقلق لم أعرف سببه صوتها يخرج من الجدران المقشرة من الرطوبة.

صورتها مازالت في رأسي الساخن، امرأة بفستان أحمر وطفلة تشتبك بها في عامها الأول.

امرأة واحدة وفساتين كثيرة لاصقت جسدها الفاتح.

أجل مازلت أذكر ألبوم الصور أماكن كثيرة ثابتة يحركها الزمن.

ضغطت الجرس بعصبية. وقفت قبالتي امرأة لم تكن هي... عيناها زرقاوان وابتسامتها مصطنعة. دخلت الصالون... أخذت ابنة نبيلة من يدها وضممتها.

أين الـ ماما.. نائمة؟.... طوال عمرها بتحب النوم.

صرخت المرأة في وجهي بينما خرج الزوج من الغرفة بعباءته. سلّم عليّ باحترام وأمر المرأة الشقراء بتحضير القهوة.

غاب قليلاً وخرج بكتاب (فن الطبخ) غضبت منه. يرد هديتي؟ تصرف لا يليق برجل محترم مثله.

لم تقرأه.

وقبل أن أشرب نقطة ماء تبلل حلقي، فتحت الباب وقبل أن أغلقه ورائي صرخ بعصبية.

-نبيلة أعطتك عمرها... أنت آخر من رأته قبل أن ترحل.

لم أرد عليه بكلمة. نسيت أن أقول له كعادتنا حين يموت شخص...

(بسلامة راسك).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مجموعه قصص ( منال فياض)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه ميت عدلان  :: الفئه :: المنتديات الادبيه :: منتدي القصص-
انتقل الى: